والقرآن قد جاء بعد كتب متعددة، وكان كل كتاب منها يحمل منهج الله ؛ إلا أن أي كتاب منها لم يكن معجزة ؛ بل كانت المعجزة تنزل مع أي رسول سبق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعادة ما تكون المعجزة من صنف ما نبغ فيه القوم الذين نزل فيهم.
ومادام المنهج مفصولاً عن المعجزة ؛ فقد طلب الحق سبحانه من الحاملين لكتب المنهج تلك أن يحافظوا عليها، وكان هذا تكليفاً من الحق سبحانه لهم. والتكليف كما نعلم عرضة أن يطاع، وعرضة أن يعصى، ولم يلتزم أحد من الأقوام السابقة بحفظ الكتب المنزلة إليهم. ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول :
إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله.. " ٤٤ " ( سورة المائدة )أي : أن الحق سبحانه وتعالى قد كلفهم وطلب منهم أن يحفظوا كتبهم التي تحمل منهجه ؛ وهذا التكليف عرضة أن يطاع، وعرضة أن يعصى ؛ وهم قد عصوا أمر الحق سبحانه وتكليفه بالحفظ ؛ ذلك أنهم حرفوا وبدلوا وحذفوا من تلك الكتب الكثير.
وقال الحق سبحانه عنهم : وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون " ١٤٦ " ( سورة البقرة )
بل وأضافوا من عندهم كلاماً وقالوا : هو من عند الله ؛ لذلك قال فيهم الحق سبحانه :
فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون " ٧٩ " ( سورة البقرة )وهكذا ارتكبوا ذنوب الكذب وعدم الأمانة، ولم يحفظوا الكتب الحاملة لمنهج الله كما أنزلها الله على أنبيائه ورسله السابقين على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولذلك لم يشأ الحق سبحانه أن يترك مهمة حفظ القرآن كتكليف منه للبشر ؛ لأن التكليف عرضة أن يطاع وعرضة أن يعصى، فضلاً عن أن القرآن يتميز عن الكتب السابقة في أنه يحمل المنهج، وهو المعجزة الدالة على صدق بلاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفس الوقت.
ولذلك قال الحق سبحانه : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " ٩ " ( سورة الحجر ).
والذكر إذا أطلق انصرف المعنى إلى القرآن ؛ وهو الكتاب الذي يحمل المنهج ؛ وسبحانه قد شاء حفظه ؛ لأنه المعجزة الدائمة الدالة على صدق بلاغ رسوله صلى الله عليه وسلم.
وكان الصحابة يكتبون القرآن فور أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجدنا في عصرنا من هم غير مؤمنين بالقرآن ؛ ولكنهم يتفننون في وسائل حفظه ؛ فهناك من طبع المصحف في صفحة واحدة ؛ وسخر لذلك مواهب أناس غير مؤمنين بالقرآن.
وحدث مثل ذلك حين تم تسجيل المصحف بوسائل التسجيل المعاصرة. وفي ألمانيا على سبيل المثال توجد مكتبة يتم حفظ كل ما يتعلق بكل آية من القرآن في مكان معين محدد. وفي بلادنا المسلمة نجد من ينقطع لحفظ القرآن منذ الطفولة، وينهي حفظه وعمره سبع سنوات ؛ وإن سألته عن معنى كلمة يقرؤها فقد لا يعرف معناها.
ومن أسرار عظمة القرآن أن البعض ممن يحفظونه لا يملكون أية ثقافة، ولو وقف الواحد من هؤلاء عند كلمة ؛ فهو لا يستطيع أن يستكملها بكلمةٍ ذات معنى مقارب لها ؛ إلى أن يرده حافظ آخر للقرآن.
ولكي نعرف دقة حفظ الحق سبحانه لكتابه الكريم ؛ نجد أن البعض قد حاول أن يدخل على القرآن ما ليس فيه، وحاول تحريفه من مدخل يرون أنه قريب من قلب كل مسلم، وهو توقير الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ وجاءوا إلى قول الحق سبحانه : محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم.. " ٢٩ " ( سورة الفتح ).
وأدخلوا في هذه الآية كلمة ليست فيها، وطبعوا مصحفاً غيروا فيه تلك الآية بكتابتها " محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم " وأرادوا بذلك أن يسرقوا عواطف المسلمين، ولكن العلماء عندما أمسكوا بهذا المصحف أمروا بإعدامه وقالوا : " إن به شيئاً زائداً "، فرد من طبع المصحف " ولكنها زيادة تحبونها وتوقرونها "، فرد العلماء : " إن القرآن توقيفي ؛ نقرؤه ونطبعه كما نزل ".
وقامت ضجة ؛ وحسمها العلماء بأن أي زيادة حتى ولو كانت في توقير رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبته لا تجوز في القرآن، لأن علينا أن نحفظ القرآن كما لقنه جبريل لمحمد صلى الله عليه وسلم.
تفسير الشعراوي
الشعراوي