ﭞﭟﭠﭡﭢﭣ

قوله : فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ أصل الصَّدع : الشَّقُّ، صدعته فانصدع، أي : شَقَقتهُ، فانْشَقّ.
قال ابن السكِّيت : الصَّدعُ في اللغة : الشَّقٌّ، والفصل ؛ وانشد لجرير :[ البسيط ]
هذَا الخَليفَةُ فارضَوْا ما قَضَى لَكُمُ *** بالحَقِّ يَصْدعُ ما فِي قَولهِ جَنَفُ١
ومنه التفرقة أيضاً ؛ كقوله : يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ [ الروم : ٤٣ ] وقال :[ الوافر ]
. . . . . . . . . . . . . . . *** كَأنَّ بَياضَ غُرَّتهِ صَدِيعُ٢
والصَّديعُ : ضوءُ الفجر لانشقاقِ الظُّلمةِ عنه، يقال : انْصدعَ، وانْفلقَ، وانْفجرَ، وانْفطرَ الصُّبحُ، ومعنى " فَاصدَعْ " فرق بني الحقِّ والباطلِ وافْصِلْ بينهما.
وقال الراغب٣ : الصَّدعُ : الشقُّ في الأجسام الصَّلبةِ كالزجاج، والحديد، وصدّعته بالتشديد، فتصدع وصَدعتهُ بالتخفيف، فانْصَدعَ، وصَدْعُ الرأس لتوهُّم الانشقاق فيه، وصدع الفلاة، أي : قطعها، من ذلك، كأنَّه توهم تفريقها.
ومعنى " فاصْدَعُ " قال ابن عبَّاسٍ -رضي الله عنه- : أظهر٤.
وقال الضحاك : أعلم٥. وقال الأخفش : فرِّق بين الحقِّ والباطل، وقال سيبويه : اقْضِ.
و " مَا " في قوله " بِمَا تُؤمَرُ " مصدرية، أو بمعنى الذي، والأصل تؤمر به، وهذا الفعل يطرد حذف الجار معه، فحذف العائد فيصح، وليس هو كقولك : جَاءَ الذي مررتُ، ونحوه :[ البسيط ]
أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أمِرْتَ بِهِ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ٦
والأصل : بالخَيْرِ.
وقال الزمخشريُّ :" ويجوز أن تكون " مَا " مصدرية، أي : بأمرك مصدر مبنيّ للمفعول " انتهى.
وهو كلامٌ صحيحٌ، والمعنى : فاصدع بأمرك، وشأنك.
قالوا : وما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتى نزلت هذه الآية.
ونقل أبو حيَّان٧ عنه أنه قال : ويجوز أن يكون المصدر يراد به " انْ "، والفعل المبني للمفعول.
ثم قال أبو حيان :" والصحيح أنَّ ذلك لا يجوز ". قال شهابُ الدين : الخلاف إنَّما هو في المصدر، والمصرح به هل يجوز أن ينحل بحرف مصدري، وفعل مبني للمفعول أم لا يجوز ؟ خلاف المشهور، أمَّا أنَّ الحرف المصدري هل يجوز فيه أن يوصل بفعلٍ مبني للمفعولٍ، نحو : يعجبني أن يكرم عمرو أم لا يجوز ؟ فليس محل النِّزاع.
ثم قال تعالى : وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين ، أي لا تبال عنهم، ولا تلتفت إلى لومهم إيَّاك على إظهار الدَّعوة.
قال بعضهم : هذا منسوخٌ بآية القتال، وهو ضعيف ؛ لأنَّ معنى هذا الإعراض ترك المبالاة، فلا يكون منسوخاً.

١ ينظر: الديوان ٣٩٠، اللسان والتاج "صدع"، والمحتسب ١/١٤١، الرازي ١٩/٢١٩، شواهد المغني للبغدادي ٨/٣٦، الكشاف ١/٢٤٦، الضرائر لابن عصفور ٨٧، ٨٩..
٢ عجز بيت للشماخ وصدره:
تـرى الســــرحان مفترشا يديه ***.........................
ينظر: ملحق ديوانه ٤٤٧، ابن الشجري ٢/٢٤٠، البحر المحيط ٥/٤٥٤، اللسان "صدع"، الدر المصون ٤/٣٠٩..

٣ ينظر: المفردات ٢٧٦..
٤ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/٨٦)..
٥ ينظر: المصدر السابق..
٦ تقدم..
٧ ينظر: البحر المحيط ٥/٤٥٥..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية