فقوله: لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ أي: سؤال استعلام واستخبار، (وقوله: لَنَسْأَلَنَّهُمْ أي سؤال تقريع وتوبيخ، وهذا قول قطرب) (١) (٢).
٩٤ - قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ معنى الصَّدْع في اللغة: الشَّقُّ والفَرْقُ والفَصْلُ (٣)، أنشد ابن السِّكِّيت لجرير:
هُو الخَليفهُ فارْضَوْا ماقَضى لَكُمُ.... بالحَقّ يَصْدَعُ ما في قَوْلِهِ جَنَفُ (٤)
يصدع: يفصل، وأنشد الفراء (٥):
| وأنْحَرُ لِلشَّرْبِ الكرامِ مَطِيَّتي | وأَصْدَعُ (٦) بين القَيْنَتَيْن رِدَائِيا (٧) |
(١) ورد في "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٢ب، بنصه تقريباً، "تفسير البغوي" ٤/ ٣٩٤ - ٣٩٥، "تفسير القرطبي" ١٠/ ٦١، الخازن ٣/ ١٠٤.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ش)، (ع).
(٣) انظر: (صدع) في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٩٨٧، "المحيط في اللغة" ١/ ٣٢٤، "الصحاح" ٣/ ١٢٤١.
(٤) "ديوان جرير" ص ٣٠٨، وورد في "تهذيب اللغة" (صدع) ٢/ ١٩٨٧، و"تفسير الفخر الرازي" ١٩/ ٢١٤.
(٥) ليس في معانيه، والبيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثي (جاهلي).
(٦) ساقطة من (د).
(٧) ورد في "المفضليات" ص ١٥٨، "جمهرة اللغة" ٢/ ٦٥٣، "الأغاني" ١٦/ ٣٦٢، "ذيل أمالي القالي" ٣/ ١٣٣، "الخزانة" ٢/ ٢٠١، (الشرب) جمع شارب، (المطية) البعير، (القينة) المغنية، يريد أن يعطي كل منها شطر ردائه.
أي: أشقُّ، وتَصَدَّع القومُ، إذا تفرقوا، ومنه قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ [الروم: ٤٣]، قال الفراء: يتفرقون (١)، فأما معنى الآية فقال ابن عرفة: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ أي فرق بين الحق والباطل (٢)، وروى أبو العباس (٣) عن ابن الأعرابي في قوله: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ أي شُقّ جماعتَهم بالتوحيد (٤)؛ كأنه يقول: ادعهم إلى التوحيد لتفرق جماعتهم؛ بإجابة بعضهم إيّاك فيكون ذلك تَفَرُّقَ كلمتهم، هذا معنى قول ابن الأعرابي، فالصدع على هذا يعود إلى صدع جماعة المشركين، وقال غيرُه: فَرّق القول فيهم (٥)، وعلى هذا: الصَّدع يعود إلى دعوة النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وهو أن يفرقها في الناس فيذيعها فيهم وقال أبو إسحاق: يقول أظهر ما تؤمر به؛ أُخذَ من الصِّدِيع وهو الصبح، وقال: وتأويل الصَّدْع في الزُّجَاج، أن يَبِيْنَ بعضُه من بعض (٦)، وهذا الذي ذكره أبو إسحاق يعود إلى الشَّق أيضًا، قال الأزهري: وسُمّي الصبحُ صديعًا كما سُمّي فلقًا، وقد انصدع وانفلق وانفجر الصبح (٧)، وقال ابن قتيبة: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ أي: أظهر ذلك،
(٢) "تهذيب اللغة" "صدع" ٢/ ١٩٨٨ بنصه.
(٣) في جميع النسخ: (ابن عباس)، وهو تصحيف، والتصحيح من التهذيب.
(٤) "تهذيب اللغة" "صدع" ٢/ ١٩٨٨ بنصه وورد غير منسوب فى "تفسير القرطبى" ١٠/ ٦١.
(٥) "تهذيب اللغة" "صدع" ٢/ ١٩٨٨ بنصه وورد فى "تفسير الماوردى" ٣/ ١٧٤ عن النقاش.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٨٦ بتصرف يسير، "تهذيب اللغة" (صدع) ٢/ ١٩٨٧ بنصه، ويبدو أنه نقله مز التهذيب لا المعاني.
(٧) "تهذيب اللغة" (صدع) ٢/ ١٩٨٨ بنصه.
قال: وأصله الفَرْق والفتحُ، أي: اصدع بحقِّك الباطلَ (١)، وهذا قولُ أهل اللغة والمعاني، وقال ابن عباس: أظهر (٢)، وقال الأخفش وأبو عبيدة: افرق (٣)، وقال المؤرج: افصل (٤).
وقوله تعالى: بِمَا تُؤْمَرُ قال الفراء: أراد فاصدع بالأمر، و (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر، وكذلك لم يعد إليه عائد من الصلة كقولك: ما أحسنَ ما ينطلق؛ لأنك تريد: ما أحسنَ انطلاقك، وما أحسنَ ما تأمر، أي: أمرك، ومثله قوله: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ [الصافات: ١٠٢] كأنه قيل له: افعل الأمر الذي تؤمر، قال ويجوز أن يكون المعنى: بما تؤمر به،
(٢) ورد في "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٢ ب، "تفسير البغوي" ٤/ ٣٩٥، الخازن ٣/ ١٠٤، "تنوير المقباس" ص ٢٨١ بلفظه، وهذه الرواية أوهى الطرق؛ لأنها من طريق محمد بن مروان عن الكلبي، أخرجها أبو نُعيم في "الدلائل" ص ٢٧٠، وقد رويت عن الكلبي -نفسه- في "تفسير هود" ٢/ ٣٥٨، والماوردي ٣/ ١٧٤، والغريب إيراد الواحدي -رحمه الله- الأقوال الضعيفة عن ابن عباس وتركه للروايات الصحيحة والمشهورة في بعض المواضع، ففي هذه الآية مثلاً؛ ثبت عن ابن عباس تفسيرها بـ: أمضه، وافعل ما تؤمر. انظر: "تفسير الطبري" ١٤/ ٦٧ من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، والثعلبي ٢/ ١٥٢ ب، و"تفسير البغوي" ٤/ ٣٩٥، وابن الجوزي ٤/ ٤٢٠، وابن كثير ٢/ ٦١٥، و"الدر المنثور" ٤/ ١٩٩ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، ولعل سبب إيراده للروايات الضعيفة عن ابن عباس -مع ورود الروايات الصحيحة- أنه نظر إليها من جهة اللغة والمعنى لا من جهة السند، فاختارها -على القوية سندًا- لهذه الحيثية، والمعروف عن الواحدي -رحمه الله- أنه يغلب عليه الاهتمام باللغة والعناية بها في تفسيره.
(٣) "مجاز القرآن" ١/ ٣٥٥ بلفظه، ولم أجده في معاني الأخفش، وورد منسوبًا للأخفش في "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٢ ب بلفظه، و"تفسير البغوي" ٤/ ٣٩٥.
(٤) ورد في "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٢ ب بلفظه.
فحذف الجار؛ لأن العرب قد تقول: إني لآمرك وآمر بك، وأكفرك وأكفر بك، وأنشد (١):
| إذا قَالَتْ حَذَامِ فأنْصِتُوها | فإنّ الأمْرَ ما قَالَتْ حَذَامِ (٢) |
وقال تعالى: أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ (٣) [هود: ٦٨]، وقال مجاهد في قوله: بِمَا تُؤْمَرُ أي بالقرآن، قال: أراد الجهر بالقرآن في الصلاة (٤)، فعلى هذا المراد بالصدع الجهر والإظهار، والباء في بِمَا تُؤْمَرُ من صلة معنى الصدع، لا لفظه؛ وهو الجهر، وما تؤمر هو القرآن؛ لأنه إنما تؤمر بما في القرآن، و (ما) في هذا القول موصولة، وليست بمعنى المصدر، وتكون مع الجار في موضع نصب، وأكثر المفسرين على أن
(٢) في نسخة (أ) أثبت عجز البيت في الهامش. ورد البيت في: "العقد الفريد" ٣/ ٨٤، ٣٦٥، "اللسان" (رقش) ٦/ ٣٠٦، (نصت) ٢/ ٩٩، "شرح التصريح" ٢/ ٢٢٥، "شرح شواهد المغني" ٢/ ٥٩٦، وورد غير منسوب في: "ما ينصرف وما لا ينصرف" ص ١٠١، "تفسير الطوسي" ٦/ ٣٥٥، "شرح المفصل" ٤/ ٦٤ "أوضح المسالك" ٤/ ١٣١، وفي جميع المصادر: (فصدقوها) بدل (فأنصتوها) و (القول) بدل (الأمر).
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٩٤ بتصرف يسير. والشاهد: أي كفروا بربهم.
(٤) "تفسير مجاهد" ص ٤١٩ بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٣٥١ مختصرًا، والطبري ١٤/ ٦٨ بنحوه من عدة روايات، وورد في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٤٤ بنحوه، و"تفسير هود الهواري" ٢/ ٣٥٨ بنحوه، و"تهذيب اللغة" (صدع) ٢/ ١٩٨٧ مختصرًا، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٣أبنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ١٩٩ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي