ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ

تفسير المفردات : لا جرم : أي : حقا.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السالفة أن قريشا كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقوّلوا عليه الأقاويل، فوصفوه بأنه مفتر وأن الكتاب الذي جاء به هو من كلام البشر لا من عند الله، ثم هددهم على ذلك أعظم تهديد – قفى على ذلك ببيان حال من يكفر بلسانه وقلبه مليء بالإيمان.
أخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل : أن المشركين أخذوا عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سبّ النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير، فلما أتى رسول الله قال له :" ما وراءك ؟ " قال : شر ما تركت، نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال :" كيف تجد قلبك ؟ " قال : مطمئن بالإيمان، قال :" إن عادوا فعد " فنزلت : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ، وروي : أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه ياسرا وسميّه على الارتداد فأبوا، فربطوا سمية بين بعيرين ووجئت بحربة في موضع عفتها وقالوا : إنما أسلمت من أجل الرجال، فقتلوها وقتلوا ياسرا، وهما أول قتيلين في الإسلام، وأما عمار فأعطاهم بلسانه ما أكرهوه عليه، فقيل : يا رسول الله إن عمارا كفر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كلا إن عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه "، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه وقال :" مالك ؟ إن عادوا فعد لهم بما قلت ".
الإيضاح : لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ، أي : حقا إنهم في الآخرة هم الهالكون الذين غبنوا أنفسهم حظوظها، وصرفوا أعمارهم فيما لا يفضي بهم إلا إلى العذاب المخلّد ولله در من قال :
إذا كان رأس المال عمرك فاحترس عليه من الإنفاق في غير واجب
فما المرء في هذه الحياة إلا كالتاجر، يشتري بطاعة ربه سعادة الآخرة، فإذا لم يفعل من ذلك شيئا خسرت تجارته، وعاد ذلك عليه بالوبال والنكال في جهنم وبئس القرار.
وقد حكم الله على هؤلاء الكافرين بستة أشياء :
( ١ ) إنهم استوجبوا غضب الله.
( ٢ ) إنهم استحقوا عقابه العظيم.
( ٣ ) إنهم استحبوا الحياة الدنيا.
( ٤ ) إن الله حرمهم من الهداية للطريق القويم.
( ٥ ) إنه طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم.
( ٦ ) إنه جعلهم سبحانه من الغافلين.
قال مجاهد : أول من أظهر الإسلام سبعة : رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وخبّاب وصهيب وبلال وعمار وسمية.
أما الرسول فحماه أبو طالب، وأما أبو بكر فحماه قومه، وأخذ الآخرون وألبسوا دروع الحديد، ثم أجلسوا في الشمس، فبلغ منهم الجهد بحرّ الحديد والشمس، وأتاهم أبو جهل يشتمهم ويوبّخهم، ويشتم سمية ثم طعنها بحربة في ملمس العفة، وقال : الآخرون ما نالوا به منهم، إلا بلالا فإنهم جعلوا يعذبونه فيقول : أحد أحد حتى ملّوا، فكتفّوه وجعلوا في عنقه حبلا من ليف، ودعوه إلى صبيانهم يلعبون به، حتى ملّوه فتركوه.
وقال عمار : كلنا تلكم بالذي أرادوا غير بلال فإن نفسه هانت عليه فتركوه، وقال خبّاب : لقد أوقدوا لي نارا ما أطفأها إلا ودك ( دهن ) ظهري.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير