تمهيد :
العقيدة الصادقة لها تكاليف وتضحيات، والمسلمون الأولون تعرضوا لكثير من الاضطهاد والآلام، فصبر كثير منهم، وبعضهم تحمّل الموت في سبيل الله، مؤثرا الآخرة على الدنيا. روى : أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه : ياسرا وسمية، على الارتداد فأبوا، فربطوا سمية بين بعيرين، ووجئت بحربة في موضع عفتها، وقالوا : إنما أسلمت من أجل الرجال، فقتلوها، وقتلوا ياسرا، وهما أول قتيلين في الإسلام، وأما عمار فأعطاهم بلسانه ما أكرهوه عليه، فقيل : يا رسول الله، إن عمارا كفر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( كلا إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بحلمه ودمه. فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يبكي، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه، وقال له :( مالك ؟ إن عادوا فعد لهم بما قلت ) وفي رواية : أنه قال له :( كيف تجد قلبك ؟ ) قال : مطمئن بالإيمان، قال صلى الله عليه وسلم :( إن عادوا فعد )، فنزلت هذه الآية٦٩.
والآيات توضح مغفرة الله للمكره، وتبين : أن العقاب الأليم لمن رجع عن الإسلام، وآثر الكفر ؛ فإنه يستحق غضب الله، والعذاب العظيم، وهو قد اشترى الدنيا والكفر، وباع الآخرة والإيمان، فحرمه الله الهدى ووصمه بالكفر، هؤلاء قد ختم الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، فصاروا غافلين عن الحق، سادرين في الباطل، حقا إنهم في الآخرة من الخاسرين، فقد حرموا الجنة وصاروا من أهل النار.
المفردات :
لا جرم : أي : حقا.
التفسير :
لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون .
أي : حقا إنهم في الآخرة هم المغبونون ؛ لأنهم اشتروا عرضا قليلا، وباعوا نعيما أبديا سرمديا ؛ فخسرت تجارتهم وعاد ذلك عليهم بالوبال والنكال في جهنم وبئس القرار.
ولله در من قال :
| إذا كان رأس المال عمرك فاحترس | عليه من الإنفاق في غير واجب |
١ إنهم استوجبوا غضب الله.
٢ إنهم استحقوا عذابه العظيم.
٣ إنهم استحبوا الحياة الدنيا.
٤ إنهم حرموا من الهداية.
٥ إنه طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم.
٦ إنهم غفلوا عن الحق.
٧ إنهم خاسرون في الآخرة.
قال مجاهد :
أول من أظهر الإسلام سبعة : رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وخباب، وصهيب، وبلال، وعمار، وسمية، أما الرسول ؛ فحماه أبو طالب، وأما أبو بكر ؛ فحماه قومه، وأخذ الآخرون وألبسوا دروع الحديد، ثم أجلسوا في الشمس، فبلغ منهم الجهد بحرّ الحديد والشمس، وأتاهم أبو جهل يشتمهم ويوبخهم، ويشتم سمية، ثم طعنها بحربة في ملمس العفة، وقال الآخرون : ما نالوا به منهم، إلا بلالا، فإنهم جعلوا يعذبونه فيقول : أحد أحد ؛ حتى ملوا ؛ فكتفوه وجعلوا في عنقه حبلا من ليف، ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به ؛ حتى ملوه فتركوه، وقال عمار : كلنا تكلم بالذي أرادوا، غير بلال ؛ فإن نفسه هانت عليه فتركوه، وقال خباب : لقد أوقدوا لي نارا ما أطفأها إلا ودك ( دهن ) ظهري.
تفسير القرآن الكريم
شحاته