ولما ذكر أنواعًا من المخلوقات على وجه الاستدلال على وحدانيته - وفي ضمنها : تعداد النِعَم على خلقه - أعقبها بقوله : وإن تعدوا نِعمةَ الله لا تُحصوها أي : لا تطيقوا عدها، فضلاً أن تطيقوا القيام بشكرها. ثم أعقبها بقوله : إنَّ الله لغفور رحيم ؛ تنبيهًا على أن العبد في محل التقصير، لولا أن الله يغفر له تقصيره في أداء شكر نعمه، ويرحمه ببقائها مع تقصيره في شكرها.
والخصلة الثانية : تذكر البعث وما بعده، وتقريبُه وجعله نصب العين ؛ إذ بذلك يحصل الزهد في هذه الدار الفانية، والاستعداد والتأهب للدار الباقية، وبه تلين القلوب، وتتحقق بعلم الغيوب، وبه يحصل الخضوع للحق، والتعظيم لمن جاء به. بخلاف من أنكره، أو استبعده، قال تعالى : فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون . حَرَامٌ على مَنْ وَحَّد الله رَبَّهُ وأفْرَدَهُ أَنْ يَحْتَذِي أحدًا رِفْدَا فَيَا صَاحِبي قفْ بي عَلَى الحَقِّ وَقْفةً أَمُوتُ بها وَجْدًا وأحْيَا بِها وَجْدا وقُلْ لمُلوكِ الأرْضِ تَجْهَدُ جُهدها فَذَا المُلك مُلكٌ لا يُباع ولا يُهدى
الخصلة الثالثة : التواضع والخضوع لله، ولمن دعا إلى الله، وهو سبب المحبة من الله، ورفع الدرجات عند الله ؛ قال صلى الله عليه وسلم :" مَنْ تَوَاضَعَ للهِ رَفَعَهُ، ومَنْ تَكَبر وَضَعَهُ الله ". وقال أيضًا :" مَنْ تَوَاضَعَ دُون قَدْره، رَفَعَهُ فوق قَدْره ". بخلاف المتكبر ؛ فإنه ممقوت عند الله، مطرود عن باب الله ؛ قال تعالى : إنه لا يحب المستكبرين . وفي الحديث :" لاَ يَدْخُلُ الجنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَرْدلٍ مِنْ كِبْرٍ " (١)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، " والتكبر : بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس " (٢)، أي : جحد الحق، واحتقار الناس. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي