والذين يَدْعُونَ شروع في تحقيق كونِ الأصنام بمعزل من استحقاق العبادةِ وتوضيحُه بحيث لا يبقى فيه شائبةُ ريب بتعديد أوصافِها وأحوالِها المنافية لذلك منافاةً ظاهرةً وتلك الأحوالُ وإن كانت غنيةً عن البيان لكنها شُرحت للتنبيه على كمال حماقةِ عبدَتِها وأنهم لا يعرفون ذلك إلا بالتصريح أي والآلهةُ الذين يعبدهم الكفار مِن دُونِ الله سبحانه وقرئ على صيغة المبني للمفعول وعلى الخطاب لاَ يَخْلُقُونَ شيئا من الأشياء أصلا أي ليس من شأنهم ذلك ولمَّا لم يكُنْ بينَ نفي الخالقية وبين المخلوقية تلازمٌ بحسب المفهومِ وإن تلازما في الصدق أثبت لهم ذلك تصريحا فقيل وَهُمْ يُخْلَقُونَ أي شأنُهم ومقتضى ذاتِهم المخلوقيةُ لأنها ذواتٌ ممكنةٌ مفتقرةٌ في ما هياتها ووجوداتها إلى الموجد وبناء الفعل للمفعول لتحقيق التضادّ والمقابلة بين ما أُثبت لهم وبين ما نُفي
صفحة رقم 105
النحل ٢١ ٢٣ عنهم من وصفي المخلوقية والخالقية وللإيذان بعدم الافتقار إلى بيان الفاعلِ لظهور اختصاصِ الفعل بفاعله جل جلاله ويجوز أن يُجعل الخلقُ الثاني عبارةً عن النحت والتصوير رعايةً للمشاكلة بينه وبين الأول ومبالغةً في كونها مصنوعين لعبدتهم وأعجز عنهم وإيذاناً بكمال ركاكةِ عقولهم حيث أشركوا بخالقهم مخلوقَهم وأما جعلُ الأول أيضاً أيضاً عبارةً عن ذلك كما فعل فلا وجه له إذ القدرةُ على مثل ذلك الخلقِ ليست مما يدور عليه استحقاقُ العبادة أصلاً ولِما أن إثباتَ المخلوقية لهم غيرُ مستدعٍ لنفي الحياة عنهم لِما أن بعض المخلوقين أحياءٌ صرح بذلك فقيل
صفحة رقم 106إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي