فلما قام البرهان على بطلان ربوبيتهم، أثبت الربوبية لله وحده، فقال : إلهكم إله واحد . ه. وهو تصريح بما أقام عليه الحجج والبراهين بما تقدم.
ثم ذكر سبب إصرارهم على الكفر - وهو إنكار البعث والتكبر - فقال : فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم مُنْكِرةٌ وهم مستكبرون أي : فالمنكرون للبعث قلوبهم منكرة لوحدانيته تعالى، وهم مستكبرون عن اتّباع الرسل فيما جاؤوا به، والخضوع لهم ؛ لأن المؤمن بالآخرة يكون طالبًا للدلائل، متأملاً فيما يسمع، فينتفع به، خاضعًا للحق، متبعًا لمن جاء به، بخلاف الكافر، يكون حاله بالعكس ؛ منهمكًا في الغفلة، متبعًا للهوى، يُنكر بقلبه ما لا يعرف إلا بالبرهان، اتّباعًا للأسلاف، وتقليدًا لهم، وركونًا إلى المألوف.
والخصلة الثانية : تذكر البعث وما بعده، وتقريبُه وجعله نصب العين ؛ إذ بذلك يحصل الزهد في هذه الدار الفانية، والاستعداد والتأهب للدار الباقية، وبه تلين القلوب، وتتحقق بعلم الغيوب، وبه يحصل الخضوع للحق، والتعظيم لمن جاء به. بخلاف من أنكره، أو استبعده، قال تعالى : فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون . حَرَامٌ على مَنْ وَحَّد الله رَبَّهُ وأفْرَدَهُ أَنْ يَحْتَذِي أحدًا رِفْدَا فَيَا صَاحِبي قفْ بي عَلَى الحَقِّ وَقْفةً أَمُوتُ بها وَجْدًا وأحْيَا بِها وَجْدا وقُلْ لمُلوكِ الأرْضِ تَجْهَدُ جُهدها فَذَا المُلك مُلكٌ لا يُباع ولا يُهدى
الخصلة الثالثة : التواضع والخضوع لله، ولمن دعا إلى الله، وهو سبب المحبة من الله، ورفع الدرجات عند الله ؛ قال صلى الله عليه وسلم :" مَنْ تَوَاضَعَ للهِ رَفَعَهُ، ومَنْ تَكَبر وَضَعَهُ الله ". وقال أيضًا :" مَنْ تَوَاضَعَ دُون قَدْره، رَفَعَهُ فوق قَدْره ". بخلاف المتكبر ؛ فإنه ممقوت عند الله، مطرود عن باب الله ؛ قال تعالى : إنه لا يحب المستكبرين . وفي الحديث :" لاَ يَدْخُلُ الجنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَرْدلٍ مِنْ كِبْرٍ " ١، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، " والتكبر : بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس " ٢، أي : جحد الحق، واحتقار الناس. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي