تفسير المفردات : تفسير المفردات : الطاغوت : كل معبود دون الله، من شيطان وكاهن وصنم وكل من دعا إلى ضلال، ويقع على الواحد كقوله : يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به [ النساء : ٦٠ ] وعلى الجمع كقوله : والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات [ البقرة : ٢٥٧ ]. حقت : وجبت وثبتت بالقضاء السابق في الأزل، لإصراره على الكفر والعناد.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أن هؤلاء المشركين لا يزدجرون إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد والوعيد، أو أتاهم عذاب الاستئصال، كما حدث لمن قبلهم من الأمم جزاء استهزائهم برسل الله – قفى على ذلك ببيان أنهم طعنوا في إرسال الأنبياء جملة وقالوا إنا مجبورون على أعمالنا، فلا فائدة من إرسالهم، فلو شاء الله أن نؤمن به ولا نشرك به شيئا ونحل ما أحله ولا نحرم شيئا مما حرمنا لكان الأمر كما أراد، لكنه لم يشأ إلا ما نحن عليه، فما يقوله الرسل إنما هو من تلقاء أنفسهم لا من عند الله.
وقد رد الله عليهم مقالتهم بأنه كلام قد سبق بمثله المكذبون من الأمم السالفة، وما على الرسل إلا التبليغ وليس عليهم الهداية، ولم يترك الله أمة دون أن يرسل إليها هاديا يأمر بعبادته، وينهاهم عن الضلال والشرك، فمنهم من استجاب دعوته، ومنهم من أضله الله على علم، فحقت عليهم كلمة ربك، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ثم أمرهم بالضرب في الأرض ليروا آثار أولئك المكذبين الذين أخذوا بذنوبهم، ثم ذكّر رسوله بأن الحرص على إيمانهم لا ينفعك شيئا، فإن الله لا يخلق الهداية جبرا وقسرا فيمن يختار الضلالة لنفسه، كما لا يجد أحدا يدفع عنه بأس الله ونقمته.
الإيضاح : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت أي ولقد أرسلنا في كل أمة سلفت قبلكم رسولا كما بعثنا فيكم رسولا، فقال لهم : اعبدوا الله وحده لا شريك له، واحذروا أن يغويكم الشيطان ويصدكم عن سبيل الله فتضلوا.
ونحو الآية قوله : وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون [ الأنبياء : ٢٥ ] وقوله : واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمان آلهة يعبدون [ الزخرف : ٤٥ ].
وإجمال القول : إن المشيئة الشرعية للكفر منتفية، لأنه تعالى نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله، والمشيئة الكونية وهي تمكين عباده من الكفر وتقديره لهم بحسب اختيارهم وصرف همتهم إلى تحصيل أسبابه، لا حجة لهم فيها، لأنه تعالى خلق النار وجعل أهلها من الشياطين وأهل الكفر، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك حجة ناصعة وحكمة بالغة.
ثم بين سبحانه أنه أمكر على عباده المكذبين كفرهم بإنزال العقوبة بهم في الدنيا بعد إنذار الرسل فقال :
فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة أي فممن بعثنا فيهم رسلنا من هداه الله ووفقه لتصديقهم وقبول إرشادهم والعمل بما جاؤوا به، ففازوا وأفلحوا ونجوا من عذابه، ومنهم من جاروا عن قصد السبيل، فكفروا بالله وكذبوا رسله واتبعوا الطاغوت، فأهلكهم بعقابه، وأنزل بهم شديد بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين أي فسيروا في الأرض التي كان يسكنها القوم الظالمون، والبلاد التي كانوا يعمرونها كديار عاد وثمود ومن سار سيرتهم ممن حقت عليه الضلالة، وانظروا إلى آثار سخطنا عليهم، لعلكم تعتبرون بما حلّ بهم.
ثم خاطب سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم مسلّيا له على ما يراه من جحود قومه وشديد إعراضهم ومبالغتهم في عنادهم، مع حدبه عليهم وعظيم رغبته في إيمانهم، ومبينا له أن الأمر بيد الله وليس له من الأمر شيء فقال :
تفسير المراغي
المراغي