ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ

تمهيد :
تستمر الآيات في كشف ألاعيب المشركين، ومن ذلك : طعنهم في إرسال الرسل، وقولهم : نحن مجبورون على أعمالنا، فلو شاء الله لم نعبد الأصنام، ولم نحرم ما حرمنا من الأطعمة، وهي تعلة كاذبة يتعلل بها المكذبون والكافرون ؛ لإلقاء التبعة على القدر، فقد خلق الله الإنسان مزودا بأسباب الهداية والغواية، فمن اختار الهدى وسار في طريق الطاعة ؛ أمده الله بالمعونة والفلاح، ومن اختار التكذيب والغواية ؛ صرف الله عنه الهدى، وقد عقب الله على هذه الآية : بأنه أرسل الرسل ؛ لدعوة الناس إلى التوحيد، والبعد عن عبادة الطاغوت والأصنام والباطل، فمن الناس من اهتدى بهداية السماء، ومنهم من اختار الضلالة فاستحق العذاب، هكذا كان شأن الأمم السابقة مع رسلهم، فلا تحزن يا محمد، فليس عليك إلا البلاغ، قال تعالى : فذكر إنما أنت مذكر*لست عليهم بمصيطر . ( الغاشية : ٢٢، ٢١ ).
المفردات :
الطاغوت : أي : الشيطان وكل ما عبد من دون الله مشتق من الطغيان، وهو تجاوز الحد، والطاغوت يقع على الواحد والجمع، مثال وقوعه على الواحد قوله تعالى : يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به . ( النساء : ٦٠ )، ومثال وقوعه على الجمع قوله تعالى : والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات . ( البقرة : ٢٥٧ ).
حقت : أي : ثبتت ووجبت، يقال : حق الأمر، يحق بفتح الحاء وكسرها ؛ أي : ثبت ووجب.
ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة... .
إن من سنته تعالى : إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتأييد رسله بالمعجزات، وقد استمر إرسال الرسل لجميع الأمم السابقة ؛ إرشادا للبشرية وتعليما لها، وتنبيها للعقول، وتحذيرا للناس من مكايد الشياطين، ومن ضلال المضلين، قال تعالى : رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما . ( النساء : ١٦٥ ).
وقال عز شأنه : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير . ( فاطر : ٢٤ ).
ومعنى الآية :
أرسلنا الرسل إلى جميع الخلق، وبعثنا في كل أمة سبقت قبلكم، رسلا كما بعثنا فيكم رسولا، فقال الرسول لقومه : اعبدوا الله وحده لا شريك له، واحذروا أن يغويكم الشيطان ويصدكم عن سبيل الله فتضلوا.
فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة .
أي : إن البشر كانوا بإزاء الرسل صنفان :
صنف : هداه الله إلى الإيمان، فآمن بالرسل وبالله وباليوم الآخر ؛ ففاز وأفلح، واستحق النجاة والرضوان في الدنيا والآخرة.
وصنف : كذب بالرسل، واستكبر عن قبول الحق، واتبع الضلال ؛ فاستحق غضب الله وعقابه.
قال الفخر الرازي :
ومنهم من حقت عليه الضلالة . يريد من ظهرت ضلالته، كما يقال للظالم : حقّ ظلمك وتبين. اه. ٢٤.
فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين . أي : التفتوا حولكم أيها المشركون، أو سيروا في جنوب الجزيرة وشمالها، وشرقها وغربها ؛ لتشاهدوا ما أصاب المكذبين، من الدمار والهلاك، كديار عاد وثمود ومن سار سيرتهم ممن حقت عليهم الضلالة، وانظروا إلى آثار سخطنا عليهم ؛ لعلكم تعتبرون بما حلّ بهم.

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الله محمود شحاتة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير