ثم ذكر الطريق الموصلة إلى إحياء الأرواح، فقال :
وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
يقول الحقّ جلّ جلاله : والذين هاجروا في الله أي : طلب رضا الله، أو : في نصر دينه، أو : طلب معرفته، من بعد ما ظُلموا ؛ من بعد ما ظلمهم الكفار بالإيذاء والتضييق، وهم : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المهاجرون. ظلمهم قريش وضيقوا عليهم، فهاجر بعضهم إلى الحبشة، وبعضهم إلى المدينة. قال ابن عطية : الجمهور أنها نزلت في الذين هاجروا إلى أرض الحبشة ؛ لأن الآية مكية، وهجرة المدينة لم تكن وقت نزول الآية. ه.
قلت : والمختار : العموم، ويكون من جملة الإخبار بما سيقع، أو : هم المحبوسون المعذبون بمكة، بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وهم بلال، وصُهَيب، وعمَّار، وخَبَّاب، وأبو جَنْدَل بن سُهَيل ؛ أو : كل من هاجر من بلده ؛ لإقامة دينه.
لنبوِّئنَّهم في الدنيا حسنةً أي : لننزلنهم في الدنيا بقعة حسنة، وهي المدينة، أو منزلة حسنة، وهي العز والتمكين في البلاد، وكل أمل بَلَغَهُ المهاجرون، أو حياة حسنة، وهي الاستقامة والمعرفة. ولأجرُ الآخرة أكبرُ مما يُعجل لهم في الدنيا ؛ من سعة الأموال، وتعظيم الشأن والحال، وهو النعيم الدائم. وعن عمر رضي الله عنه : أنه كان، إذا أَعطى رجلاً من المهاجرين عطاءه من قسمْ الغنائم، يقول له :( خذ، بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أفضل ). والضمير في قوله : لو كانوا يعلمون لكفار قريش، أي : لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم. أو للمهاجرين، أي : لو علموا أن أجر الآخرة خير مما عجل لهم لزادوا في اجتهادهم وصبرهم.
وعلى ربهم يتوكلون، أي : مفوضين في أمورهم كلها لله، ليس لهم مع الله اختيار، ولا لهم عن أنفسهم إخبار، بل هم كالميت بين يدي الغاسل. حققنا الله من هذا المقام بالحظ الأوفر... آمين. لا تَحْسَب المجْد تمرًا أنت آكلُه لنْ تبلُغَ المجْدَ حتَّى تلْعَقَ الصبْرا
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي