ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله :
تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
يقول الحقّ جلّ جلاله : تالله لقد أرسلنا رسلاً، إلى أمم من قَبلكَ يا محمد، فزَيَّن لهم الشيطانُ أعمالهم السوء، فرأوها حسنة، فأسروا على قبائحها، وكذبوا الرسل، فصبروا حتى نُصروا. فاصبر كما صبروا، حتى تنصر كما انتصروا. فكان عاقبة من اتبع الشيطان : الهلاك والوقوع في العذاب، فهو وليّهم ، أي : متولي أمورهم اليومَ ، في الدنيا، ولهم عذاب أليم ، في الآخرة، أو : فهو وليهم يوم القيامة، على أنه حكاية حال آتية، أي : لا ولي لهم غيره في ذلك اليوم، وهو عاجز عن نصر نفسه، فكيف ينصر غيره ؟
فهذه علامات الوصول إلى الحق، بحيث ترتفع همته إلى حضرة الحق، ويصرف نظره في معاني أسرار التوحيد، وسمعه فيما يقرب إلى صريح التفريد، ومن لم يبلغ هذا المقام، لم ينقطع عنه تزيين الشيطان، فيُزين له عمله، فيقف معه. وبالله التوفيق. مَنْ فَاَتَهُ مِنْكَ وَصلٌ حَظُّهُ النَّدَمُ وَمَنْ تَكُنْ هَمَّهُ تَسْمُو به الهِمَمُ ونَاظِرٌ في سِوَى مَعْنَاكَ حُقَّ لُه يَقتَصُّ مِنْ جَفْنِهِ بالدَّمْعِ وهْوَ دَمُ والسَّمْعُ إنْ جَالَ فِيهِ مَنْ يُحَدِّثهُ سِوَى حدَيثِك أَمْسَى وَقرَهُ الصَّمَمُ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي