اليوم دخل (١) النار، وأطلق اسم اليوم على يوم القيامة لشهرة ذلك اليوم.
٦٤ - قوله تعالى: وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ قال ابن عباس: يريد ما قص من أخبار الأمم الخالية في القرآن، إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، قال: يريد لاتخاذ الحجة عليهم، كأن المعنى: إلا لتُبَيِّن لهم ما يختلفون في من الدين والأحكام؛ فيذهبون فيها إلى خلاف ما يذهب إليه المسلمون، فَتقومُ الحجةُ عليهم بدعائك وبيانك.
وقوله تعالى: وَهُدًى وَرَحْمَةً قال أبو إسحاق: بنصب رَحْمَتَ؛ لأن المعنى: وما أنزلنا عليك الكتاب إلا للهداية والرحمة، فهو مفعول له (٢).
٦٥ - قوله تعالى: وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً إلى قوله: يَسْمَعُونَ أخبر الله تعالى أنه هو الذي أنزل المطرَ فأخصبت الأرض به بعد جُدُوبتها وُيبُوستها، وفي ذلك آية ودلالة على قدرته على البعث والإحياء بعد الإماتة لمن سمع ذلك سَماعَ اعتبارٍ وتَفَكُّر.
٦٦ - قوله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً الآية. ذكرنا معنى العبرة في سورة آل عمران عند قوله: لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ [آية: ١٣].
وقوله تعالى: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مَنْ فتح النون (٣) فحجته ظاهرة
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٠٨، بنصه.
(٣) وهم ابن عامر ونافع وعاصم في رواية أبي بكر. انظر: "السبعة" ص ٣٧٤، و"إعراب القراءات السبع وعللها" ١/ ٣٥٧، و"علل القراءات" ١/ ٣٠٧، و"الحجة للقراء" ٥/ ٧٤ و"المبسوط في القراءات" ص ٢٢٥، "المُوضح في وجوه القراءات" ٢/ ٧٣٩.
يقول: سقيته حتى رَوِي، أسقيه، قال الله تعالى وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [الإنسان: ٢١]، وقال: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء: ٧٩]، وقال: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا [محمد: ١٥]، وما كان للشفة فهو بفتح النون؛ ومن ضَمَّ النونَ (١) فهو من قولك: أسقاه إذا جعل له شِربًا كقوله: وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا [المرسلات: ٢٧]، وقوله: فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ [الحجر: ٢٢]، والمعنى هاهنا إنا جعلناه في كثرته وإدامته كالسُّقْيَا، واختار أبو عبيدة الضَّمَّ وقال: لأنه شِرْبٌ دائم (٢)، وأكثر ما يقال في هذا المعنى: أَسْقَيْت، وذكرنا الكلام في سقى وأسقى في سورة الحجر (٣).
واختلف النحويون في علة تذكير الكناية في قوله: مِمَّا فِي بُطُونِهِ، وهي راجعة إلى الأنعام، فقال أبو إسحاق: الأنعام لفظه لفظ جمع، وهو اسم للجنس يذكر ويؤنث، يقال: وهو الأنعام، وهي الأنعام، نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ، وفي موضع آخر: مِمَّا فِي بُطُونِهَا (٤) [المؤمنون: ٢١].
وهذا مذهب سيبويه، قال في ذِكْرِه إن الاسم الواحد يجيء على أَفْعَال، قال: يقال: هو الأنْعَام، وقال: فِي بُطُونِهِ (٥)، فذهب إلى أنه اسم مذكر يقع للجميع كالقوم والنفر والرهط، وقال الفراء: النَّعَمُ والأنعامُ شيء واحد، فرجع التذكير إلى معنى النَّعَم إذ كان يؤدي عن معنى الأنعام،
(٢) لم أجده في مجازه، وورد في "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٨، بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٦٤.
(٣) آية: [٢٢].
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٠٩، بنصه.
(٥) "الكتاب" ٣/ ٢٣٠، بنحوه، وانظر:"إعراب القرآن" للنحاس ٢/ ٤٠١.
وأنشد (١):
وطاب ألْبانُ اللِّقَاح وَبردْ (٢)
وفرحع إلى اللبن (٣)؛ لأن اللبن والألبان في معنى واحد (٤)، والدليل على أن النَّعَمَ مذكر قول الراجز (٥):
| أَكُلَّ عَامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهُ | يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وتَنْتُجُونه (٦) |
(٢) وصدره:
بالَ سُهَيلٌ في الفَضِيخِ فَفَسَدْ
ورد بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٢٩، ٢/ ١٠٨، و"تفسير الطبري" ١٤/ ١٣١، والثعلبي ٢/ ١٥٩ أ، والطوسي ٦/ ٤٠٠، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٣، و"اللسان" (خرت) ٢/ ١١٢٤، (كتد) ٦/ ٣٨١٩، و"الدر المصون" ٧/ ٢٥٧، و"التاج" (خرت) ٣/ ٤٤ - ٤٥، (كتد) ٥/ ٢١٨، وفي جميع المصادر عدا الدّر: (فبرد). (سهيل) كوكب يُرى في ناحية اليمن والعراق، ولا يُرى بخُراسان، (الفضِيخ) عصير العنب، وهو أيضًا شراب يتخذ من البُسر المفضوخ وحده من غير أن تمسه النار، وهو المشدوخ. ومعنى البيت: يقول لما طلع سُهيلٌ ذهب زمن البسر وأرطب، فكأنه بال فيه، وعندها تطيب ألبان النوق، والشاهد: أنه لم يقل: وبردت؛ لأنه رده إلى اللبن، المفرد. انظر: "تهذيب اللغة" (سهل) ٢/ ١٧٨٦ - ١٧٨٧، و"اللسان" (فضخ) ٦/ ٣٤٢٦.
(٣) في جميع النسخ: (اللبن والألبان) بزيادة الألبان، وقد أدى زيادتها إلى اضطراب المعنى، ويؤيّد أنها زائدة، عدم وجودها في المصدر و"الوسيط" تحقيق سيسي ٢/ ٤١٠.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٠٨، بنصه تقريبًا.
(٥) هو فيس بن حصين بن يزيد الحارتي (جاهلي).
(٦) ورد في "الخزانة" ١/ ٤٠٧، ٤١٢، وورد بلا نسبة في "الكتاب" ١/ ١٢٩، و"مجاز القرآن" ١/ ٣٦٢، و "تفسير الطبرى" ١٤/ ١٣٢، "المذكر والمؤنث" للأنباري ١/ ٤٢٦، و"إعراب القرآن" للنحاس ٢/ ٢١٧، و"تهذيب اللغة" (نعم) ٤/ ٣٦١٧، =
قال الكسائي: أراد مما في بطون ما ذكرنا (١)، قال الفراء: وهو صواب، أنشدني بعضهم:
مِثْلُ الفِراخِ نَتَقَتْ حَواصِلُه (٢) (٣)
وقال المبرد: هذا فاشٍ في القرآن وفي كلامهم، مثل: فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي [الأنعام: ٧٨]، بمعنى هذا الشيء الطالع، وكذلك قوله: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ [المدثر: ٥٤، ٥٥]، أي: ذَكَرَ هذا الشيء، وكذلك: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ النمل: ٣٥]، ثم قال: فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ [النمل: ٣٦]، ولم يقل: جاءت؛ لأن
(١) ورد في "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٠٩، بنصه، و"إعراب القرآن" للنحاس ٢/ ٤٠١، بنصه، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ١/ ٤٢٧، بنصه، و"تهذيب اللغة" (نعم) ٤/ ٣٦١٥، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" ٣/ ٧٥، والفخر الرازي ٢٠/ ٦٤.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٠٩، بنصه.
(٣) رجز ورد بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٣٠، و"تفسير الطبري" ١٤/ ١٣٢، و"تهذيب اللغة" (نعم) ٤/ ٣٦١٦، و"المحتسَب" ٢/ ١٥٣، و"تفسير ابن عطية" ٨/ ٤٥٦، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٣، و"شرح شواهد الإيضاح" ص ٣٤٧، و"تفسير القرطبي" ١٠/ ١٢٤، و"اللسان" (خلف) ٢/ ١٢٣٧، (نعم) ٧/ ٤٤٨٢، و"تفسير أبي حيان" ٥/ ٥٠٩. (نتقت) سمنت وامتلأت شحمًا، (حواصله) جمع حوصلة؛ أسفل البطن، وهي للطير والنعام كالمعدة للإنسان، وهي المصارين لذي الظلف والخُفّ، والشاهد: أنه أعاد على الفراخ ضمير الواحد؛ لأنها في معنى الفرخ، إذا أريد به الجنس والكثرة، وقال الطبرى: لم يقل: حواصلها، أي: ذكَّرها. النظر: "المحيط في اللغة" (نتق) ٥/ ٣٦٧، و"متن اللغة" ٢/ ١٠٦، ووردت برواية: (نُتِفَتْ).
المعنى: جاء الشيءُ الذي ذكرنا (١).
قال أبو عبيد: وسمعت الكسائي يُنْشِد ما هو أشد من هذا (٢):
| وعَفْرَاءُ أَدْنَى الناسِ مِنِّي مَوَدَةً | وعَفراءُ عَنِّي المُعْرِضُ الْمُتَوَانِي (٣) |
| إذ (٥) الناسُ نَاسٌ والبِلَادُ بِغِرَّةٍ | وإِذْ أُمُّ عَمَّارٍ صَدِيقٌ مُسَاعِفُ (٦) |
(٢) البيت لعروة بن حزام (ت ٣٠ هـ) شاعر إسلامي، أحد المتيَّمِين، لا يُعرف له شعرٌ إلا في عفراءَ بنتِ عمِّه.
(٣) ورد في "المذكر والمؤنث" للأنباري ١/ ١٨٧، برواية:
فعفراءُ أرجى الناس عندي مودةً
وورد في الأغاني برواية:
فعفراءُ أحظى الناسِ عندي مودَّةً
وورد بلا نسبة في "تفسير الطبري" ١٤/ ١٣٣، والثعلبي ٢/ ١٥٩ أ، والشاهد: أنه لم يقل: المعرضة المتوانية، وذكَّرَ المعرض؛ لأنه أراد التشبيه، أي: وعفراء عنّي مثْلُ المُعرضِ، والمؤنث قد يشبَّه بالمذكر.
(٤) هو لأَوْس بن حَجَر، كما في ديوانه واللسان.
(٥) في جميع النسخ: (إذا) والتصويب من الديوان وجميع المصادر عدا الثعلبي.
(٦) "ديوانه" ص ٧٤، وفيها: (الزمان) بدل (البلاد)، و (بعزة) بدل (بغرة)، وورد في "اللسان" (سعف) ٤/ ٢٠١٨، وفيه: والزمان، وورد بلا نسبة في "تهذيب اللغة" (سعف) ٢/ ١٦٩٦، كما للسان، وورد برواية: (بغبطة) بدل (غِرَّة) في "تفسر الطبري" ١٤/ ١٣٣، والثعلبي ٢/ ١٥٩ أ، وفي "الخزانة" ٥/ ٤٢٩، برواية: (والزمان بعزَّة)، (غِرَّة)، بكسر الغين: الغفلة، يقال: غَرَّ الرجلُ غَرارةً وغِرَّةً: جهلَ الأمور وغفل عنها، (مساعف) قريب، والإسعاف: قضاء الحاجة، وهو المقصود.
فهذا التذكير في هذه الأشياء أشَدُّ منه في الأنعام، ومثله كثير (١)، وإنما توَجَّه على معنى هذا الشخص والسواد وكل شيء، فالشيء يَشْرَكُه في اسمه، فالأصل التذكير؛ لأن الشيء مذَكَّر، غير أن الشيء إذا كان تأنيثه حقيقيًّا فلا بد من أن يؤنث في مستقيم الكلام، لا يَحْسُن أن يقول: جَارِيتُك ذهب ولا غلامك ذهبت، بحمله على النَّسْمَة (٢)، وذهب المؤرج في هذا إلى وجه آخر؛ وهو أن الكناية تعود إلى ما في قوله: مِمَّا فِي بُطُونِهِ وأضمر اللبن؛ كأنه قيل: نسقيكم مما في بطونه اللبن، مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا أراد أنه يُسقى من أَيِّها كان ذا لبن؛ لأنه ليس لكلها لبن (٣)، واختار صاحب النظم هذا الوجه وزاده بيانًا فقال: الأنعام يقع على الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحائل (٤) والحامل، وذات الدَّرّ والبِلَى (٥)، فلما ذَكَرَ عز وجل مُجْمَلَه في أول الفصل، وليس الدّرُّ إلا لبعضها؛ مَيَّزَ واختص منها في الخبر ذات الدّر دون سائرها. فقوله: مِمَّا مِثْلُ قولك: مِنْ الَّتي، إلا أنه
(٢) النَّسمَةُ: النَّفسُ، والنسمة في العتق: المملوك ذكرًا كان أو أنثى. "المحيط في اللغة" ٨/ ٣٤٥.
(٣) ورد في "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٥٩، بنحوه، والطبري ١٤/ ١٣١، بنحوه غير منسوب، وورد في "إعراب القرآن" للنحاس ٢/ ٢١٧، بنحوه منسوبًا إلى أبي عبيدة عن أبي عبيد، وانظر: "تفسير البغوي" ٥/ ٢٨، و"وضح البرهان" ص ٥٠٧.
(٤) الحائل: التي لا تحمل تلك السنة، حَالتْ تحُولُ حُؤُولاً وحِيَالاً، والمُحْتالة: الحائل من ذوات الحَمْلِ. انظر: "المحيط في اللغة" (حول) ٣/ ٢١٠.
(٥) يقال: ناقة بَلِيَّة: هي التي يموت صاحبها فيحفر لها حفرة وتشدّ رأسها إلى خلفها، وتُبْلَى: أي تترك هناك لا تعلف ولا تسقى حتى تموت جوعًا وعطشًا. انظر: "المحيط في اللغة" (بلى) ١٠/ ٣٥٤، و"اللسان" (بلا) ١/ ٣٥٥.
لمّا ذَكَرَ (الَّتي) بلفظ (ما) ذَكَرَ الكناية؛ لأن (ما) لا تبين فيه تذكير ولا تأنيث، فكأنه مذكر، والتقدير: نُسقيكم مِن التي في بطونها لبن، مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا، وأضمر ذِكرَ اللبن لعلم المخاطب بذلك، ولمجيء (١) ذِكرِ اللبن فيما بعده.
وقوله تعالى: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا، الفَرْثُ: سِرْجين الكرش (٢)، قال ابن عباس: يريد العلف الذي يكون في الكرش، وروى الكلبي عن أبي صالح عنه أنه قال: إذا استقر العَلَفُ في الكرش صار أسفله فَرْثًا وأعلاه دمًا وأوسطه لبنًا، فيجري الدمُ في العروق واللبنُ في الضَّرع ويبقى الفَرْثُ كما هو (٣)، فذلك قوله: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا: لا يَشُوبُه الدم ولا الفرث، سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ: جائزًا في حلوقهم لذيذًا هنيئًا، يقال: ساغَ الشَّرَابُ في الحلق وأَسَاغَهُ صاحِبُه (٤)، ومنه قوله: وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم:
(٢) يقال: سرجين بالجيم، وسرقين بالقاف، ويسمى فرْثًا ما دام أنه بالكرش، فإذا خرج لا يسمى فرثًا، انظر: (فرث) في "العين" ٨/ ٢٢٠، و"تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٥٧، و"المحيط في اللغة" ١٠/ ١٣٨، و"مجمل اللغة" ٢/ ٧١٩، و"اللسان" ٦/ ٣٣٦٩.
(٣) ورد في "تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٤٠، والثعلبي ٢/ ١٥٩ أ، بنحوه، (وهذه أوهى الطرق إلى ابن عباس، وانظر: "تفسير البغوي" ٥/ ٢٨، وابن الجوزي ٤/ ٤٦٤، والفخر الرازي ٢٠/ ٦٤، و"تفسير القرطبي" ١٠/ ١٢٥، و"تفسير البيضاوي" ١/ ٢٧٩، والخازن ٣/ ١٢٣، وأبي حيان ٥/ ٥٠٩، وهذا التفسير مردود لضعف الأثر، وزاد الفخر الرازي تضعيفه لمخالفته للحس، فقال: وقد دللنا على أن هذا القول على خلاف الحس والتجربة، ولأن الدم لو كان يتولد في أعلى المعدة والكرش، كان يجب إذا قاء أن يقيء الدم، وذلك باطل قطعًا، ثم بيَّن كيفية توَلُّد اللبن حسيًّا. الفخر الرازي ٢٠/ ٦٥
(٤) انظر: (سوغ) في "جمهرة اللغة" ٢/ ٨٤٦، و"تهذيب اللغة" ٢/ ١٥٩٧، و"المحيط =
١٧] وقد مر، والآية بيان عن إقامة الدلالة على الصانع حيث جعل العَلَف وهو جنس واحد أنواعًا في بطن الدابة، فإذا تفكر العاقلُ عَلِمَ أن ذلك بقدرة الله الذي لا إله إلا هو، قال أصحابنا: وهذه الآية تدل على أن مَنِيّ الآدمي لا يكون نجسًا وإن كان في باطنه مجاورًا للنجاسات كاللبن؛ فإنه يخرج طاهرًا من بين نجسين (١).
(١) هذا مشهور لكن فيه نظر؛ لأن الدم مختلف في نجاسته، فالمذاهب الأربعة على نجاسته، وقد حكى النووي في ذلك الإجماع فقال: "وفيه أن الدم نجس، وهو بإجماع المسلمين" [شرح مسلم (٣/ ٢٠٠)]، وانظر: "أحكام النجاسات في الفقه الإسلامي" ص ١٨٧، لكن الذي عليه المحققون -كابن تيمية والشوكاني وصديق خان- أن الدم المسفوح ليس بنجس، وعمدة القائلين بالنجاسة أمران؛ أحدهما: قوله تعالى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام: ١٤٥]، والثاني: حديث أسماء قالت: جاءت امرأة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: (إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به؟ قال: "تَحُتُّهُ ثم تَقْرُصُهُ بالماء ثم تَنْضِحُهُ ثم تُصَلَّي فيه" [شرح مسلم (٣/ ١٩٩)].
وقد رد المحققون على هذين الدليلين: أما الآية فدلالتها على نجاسة الدم غير صريحة؛ لأن كون تناول الدم المسفوح محرم لا يقتضي نجاسته، وكلمة فَإِنَّهُ رِجْسٌ وإن كان من معانيها في اللغة النجاسة، إلا أنه مختلف في عودة الضمير، وإذا وقع الاحتمال بطل الاستدلال. أما الحديث فالكلام فيه على دم الحيض ولا خلاف في نجاسته؛ لأنه خارج من أحد السبيلين، لذلك كان قياس سائر الدماء عليه قياسًا مع الفارق، لذلك قال صديق خان: (وأما سائر الدماء فالأدلة فيها مختلفة مضطربة، والبراءة الأصلية مستصحبة حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة) [الروضة الندية شرح الدرر البهية (١/ ٨٢)]، وحتى على القول بنجاسة الدم فإن الدم قبل انفصاله عن الجسم يعد طاهرًا، وهو ما ذهب إليه ابن تيمية في =
كذلك يجوز أن يخرج المنيّ طاهرًا وإن جرى في طريق النجاسة (١) (٢).
(١) الكلمة ساقطة من (أ)، (د).
(٢) نسبه القرطبي للنقاش من الشافعية (ت ٣٥١ هـ) وقال: وقاله أيضًا غيره، وهذا الاستدلال على طهارة المنيّ فيه تكَلُّف وبُعد، والقياس الوارد قياس مع الفارق، لذا أنكره ابن العربي وشكك في أهلية المسندل على الدعوى بهذه الآية. انظر: "تفسير ابن العربي" ٣/ ١١٥٢، وقد أنكر ابن تيمية هذه المدعوى -في معرض الرد على القائلين بنجاسة المني- فقال: لا نسلم أنه يجري في مجرى البول، فقد قيل: إن بينهما جلدة رقيقة، وإن البول إنما يخرخ رشحًا، وهذا مشهور. "الفتاوى" =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي