تفسير المفردات : والأفئدة واحدها فؤاد : وهي القلوب التي هيأها الله للفهم وإصلاح البدن.
المعنى الجملي : بعد أن مثل سبحانه نفسه بمن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، ومستحيل أن يكون كذلك إلا إذا كان كامل العلم والقدرة –، أردف ذلك ما يدل على كمال علمه، فأبان أن العلم بغيوب السماوات والأرض ليس إلا له، وما يدل على كمال قدرته، فذكر أن قيام الساعة في السرعة كلمح البصر أو أقرب، ثم عاد إلى ذكر الدلائل على توحيده، وأنه الفاعل المختار، فذكر منها خلق الإنسان في أطواره المختلفة، ثم الطير المسخر بين السماء والأرض، وكيف جعله يطير بجناحين في جو السماء، ما يمسكه إلا هو بكامل قدرته.
الإيضاح : ثم ذكر سبحانه مننه على عباده بإخراجه إياهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا، ثم رزقهم السمع والأبصار والأفئدة، فقال : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ، أي : والله جعلكم تعلمون ما لا تعلمون بعد أن أخرجكم من بطون أمهاتكم، فرزقكم عقولا تفقهون بها، وتميزون الخير والشر، والهدى من الضلال، والخطأ من الصواب، وجعل لكم السمع الذي تسمعون به الأصوات، فيفقه بعضكم عن بعض ما تتحاورون به فيما بينكم، والأبصار التي تبصرون بها الأشخاص فتتعارفون بها، وتميزون بعضها من بعض، والأشياء التي تحتاجون إليها في هذه الحياة، فتعرفون السبل، وتسلكونها للسعي على الأرزاق والسلع ؛ لتختاروا الجيد وتتركوا الرديء، وهكذا جميع مرافق الحياة ووجوهها.
لعلكم تشكرون ، أي : رجاء أن تشكروه باستعمال نعمه فيما خلقت لأجله، وتتمكنوا بها من عبادته تعالى، وتستعينوا بكل جارحة وعضو على طاعته.
روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" يقول الله تعالى : من عادى لي وليّا فقد بارزني بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أفضل من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن دعاني لأجيبنه، ولئن استعاذ بي لأعيذنّه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه "، أي : إن العبد إذا أخلص الطاعة صارت أفعاله كلها لله عز وجل، فلا يسمع إلا لله، ولا يبصر إلا لله، أي : لما شرعه الله له، ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعته عز وجل، مستعينا به في ذلك كله.
تفسير المراغي
المراغي