ﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ

من عمل صالحا من ذكر أو أنثى ، بينه بالنوعين لدفع توهم التخصيص، وهو مؤمن ، إذ لا اعتداد بأعمال الكفار في استحقاق الثواب، وإنما المتوقع عليها تخفيف العذاب ؛ لأن مبنى الثواب عند الله إلا خلاص وحسن النية وذا مفقود لهم. فلنحيينه في الدنيا حياة طيبة ، قال سعيد بن جبير وعطاء : هي الرزق الحلال، وقال الحسن : هي القناعة، وقال مقاتل ابن حبان : هي العيش في الطاعة، وقال أبو بكر الوراق : هي حلاوة الطاعة، وقال البيضاوي : يعيش عيشا طيبا ؛ فإنه إن كان موسرا فظاهر، وإن كان معسرا يطيب عيشه بالقناعة والرضاء بالقسمة وتوقع الأجر العظيم في الآخرة، بخلاف الكافر، فإنه إن كان معسرا فظاهر، وإن كان موسرا لم يدع الحرص وخوف الفوات أن يتهنأ بعيشه، قلت : ذلك هو المعنى من قوله تعالى : فإن له معيشة ضنكا ١.
قلت : والأولى أن يقال : إن العبد إذا أحب الله تعالى، فكل ما وصل إليه من المحبوب من حلاوة أو مرارة يلتذ به، قال المجدد : إيلام المحبوب ألذ للمحب من إنعامه، فإن المراد بالإنعام كائن على مراده، وفي الإيلام كائن على مراد المحبوب، ومراد المحبوب أحب عنده من مراد نفسه، قال الفاضل الرومي قدس سره :

عاشقم بر لطف وبر قهرت بجد أي عجب من عاشقم بر برو ضد
ناخوش أزوى خوش بودور جان من جار فدائي ياردل رنجان من
قلت : أو يقال قد قال : الله تعالى في أوليائه : لهم البشرى في الحياة الدنيا ٢، وقد مر تفسيره في سورة يونس عليه السلام، فالمؤمن إذا بشر برضاء الله تعالى وعلو مقامه عنده، ورفع درجاته لديه حصل له في الدنيا أفضل ما يرجوه في الجنة، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله تعالى يقول لأهل الجنة هل رضيتم ؟ فيقولون ما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من الخلق، فقال : أما أعطيتكم أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا )٣ متفق عليه من حديث أبي سعيد، وعند الطبراني في الوسط بسند صحيح عن جابر نحوه، ومن ههنا قال بعض الكبراء كتاب أبيات وترجمتها، كان شيخي وسندي الشيخ محمد عابد المجددي يقول : لو علم الملوك والأمراء من أهل الدنيا ما للفقراء من اللذة والراحة لحسدوهم وأغبطوهم، لا يقال هذه الحالة ينافي الخوف، والخوف والرجاء في الدنيا من لوازم الإيمان، لأنا نقول هذه الحالة المترتبة على الإنس والمحبة لا ينافي في الخوف، فإن الخوف مبني على رؤية عظمة الله تعالى وكبريائه، وهو لا ينفك عن المؤمن في شيء من الأحوال، بل الأنبياء الذين هم قاطعون بحسن الخاتمة ورضوان الله تعالى يرون عظمة الله وكبريائه فوق ما يراه غيرهم، ويخافونه فوق ما يخافونه غيرهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن أعلمكم وأتقاكم بالله أنا )، والصحابة الذين كانوا مبشرين بالجنة بالوحي القاطع حيث قال الله تعالى : لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ، ونحو ذلك كانوا يخافون الله تعالى كمال الخوف، فما بال قوم بشروا برضوان الله بالكشف الظني والله أعلم، قلت : وجاز أن يكون المراد بالحياة الطيبة حياة يثمر البركات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، من إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له )٤ رواه أحمد ومسلم في الصحيح عن صهيب وأحمد وابن حبان، في الصحيح نحوه عن أنس والبيهقي بسند صحيح نحوه عن سعد، وقال مجاهد وقتادة : المراد بالحياة الطيبة : الحياة في الجنة، ورواه عوف عن الحسن، وقال : لا يطيب الحياة لأحد إلا في الجنة، والظاهر هو المعنى الأول. ولنجزينهم ، في الآخرة، أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون .
١ سورة طه، الآية: ١٢٤..
٢ سورة يونس، الآية: ٦٤..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار (٦٥٤٩) وأخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: إحلال الرضوان على أهل الجنة (٢٨٢٩)..
٤ أخرجه مسلم في كتاب: الرقاق، باب: المؤمن أمره كله خير (٢٩٩٩)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير