اعلم أنَّ الكفار، لما قالوا: لن نؤمن لك؛ حتَّى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً وطلبوا إجراء الأنهارِ، والعيون في بلدهم لتكثر أموالهم؛ بين أنَّهم لو ملكوا خزائن رحمة الله،
صفحة رقم 394
لبقوا على بخلهم وشحهم، ولا أقدموا على إيصال النفع إلى أحدٍ، وعلى هذا التقدير: فلا فائدة في إسعافهم لما طلبوه.
قوله: لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ : فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: - وإليه ذهب الزمخشري، والحوفي، وابن عطيَّة، وأبو البقاء، ومكيٌّ -: أن المسألة من باب الاشتغال، ف «أنْتُمْ» مرفوع بفعلٍ مقدر يفسِّره هذا الظاهر، لأنَّ «لَوْ» لا يليها إلا الفعل، ظاهراً أو مضمراً، فهي ك «إنْ» في قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين [التوبة: ٦]، وفي قوله:
| ٣٤٧٠ - وإنْ هُوَ لمْ يَحْمِلْ على النَّفْسِ ضَيْمهَا | فَليْسَ إلى حُسْنِ الثَّنَاءِ سَبيلُ |
٣٤٧١ - «لوْ ذَاتُ سِوارٍ لطَمتْنِي»... برفع «ذَاتُ» وقول المتلمِّس:
٣٤٧٢ - ولَوْ غَيْرُ أخْوالِي أرادُوا نَقِيصَتِي..........................
ف «ذَاتُ سوارٍ» مرفوعةٌ بفعل مفسَّر بالظاهر بعده.
الثاني: أنه مرفوع ب «كَانَ» وقد كثر حذفها بعد «لو» والتقدير: لو كنتم تملكون، فحذف «كَانَ»، فانفصل الضمير، و «تَمْلكُونَ» في محلِّ نصبٍ ب «كَانَ» المحذوفةِ، وهو قولُ ابن الصائغ؛ وقريبٌ منه قوله: [البسيط]
٣٤٧٣ - أبَا خُرَاشةَ أمَّا أنْتَ ذَا نَفرٍ......................... صفحة رقم 395
فإنَّ الأصل: لأن كنت، فحذفت «كَانَ»، فانفصل الضمير، إلا أنَّ هنا عوِّض من «كَانَ» «ما»، وفي [ «لَوْ» ] لم يعوَّض منها.
الثالث: أنَّ «أنتم» توكيدٌ لاسم «كانَ» المقدر معها، والأصل «لَوْ كُنتمْ أنْتُم تَمْلكُونَ» فحذفت «كَانَ» واسمها، وبقي المؤكِّدُ، وهو قول ابن فضالٍ المجاشعيِّ، وفيه نظرٌ؛ من حيث إنَّا نحذف ما في التَّوكيد، وإن كان سيبويه يجيزه.
وإنما أحوج هذين القائلين إلى ذلك: كون مذهب البصريِّين في «لَوْ» أنَّه لا يليها إلاَّ الفعل ظاهراً، ولا يجوز عندهم أن يليها مضمراً مفسَّراً إلاَّ في ضرورة، أو ندور، كقوله: «لَو ذَات سوارٍ لطَمتْنِي»، فإن قيل: هذان الوجهان أيضاً فيهما إذمار فعلٍ، قيل: ليس هو الإضمار المعنيَّ؛ فإنَّ الإضمار الذي أبوه هو على شريطة التفسير في غير «كان»، وأمَّا «كان» فقد كثر حذفها بعد [ «لو» ] في مواضع كثيرة، وقد وقع الاسم الصَّريحُ بعد «لَوْ» غير مذكور بعده فعلٌ؛ وأنشد الفارسيُّ: [الرمل]
| ٣٤٧٤ - لَو بِغيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرقٌ | كُنْتُ كالغصَّانِ بالمَاءِ اعْتِصَارِي |
واعلم أنَّ خزائن رحمة الله غير متناهية؛ فكان المعنى أنكم لو ملكتم من النِّعم خزائن لا نهاية لها، لتقيمنَّ على الشحِّ، وهذه مبالغة عظيمة في وصفهم بهذه الصفة.
قوله: «لأمْسَكْتُمْ» يجوز أن يكون لازماً؛ لتضمنه معنى «بخِلتمْ» وأن يكون متعدِّياً، ومفعوله محذوف، أي: لأمسكتم المال، ويجوز أن يكون كقوله يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨].
قوله: خَشْيَةَ الإنفاق فيه وجهان:
أظهرهما: أنه مفعول من أجله.
والثاني: أنه مصدر في موضع الحال، قاله أبو البقاء، أي: خاشين الإنفاق، وفيه نظر؛ إذ لا يقع المصدر المعرفة موقع الحال، إلا سماعاً؛ نحو: «جَهْدكَ» و «طَاقَتكَ»، وكقوله:
٣٤٧٥ - وأرْسلَهَا العِراكَ.................................... صفحة رقم 396
ولا يقاس عليه، والإنفاقُ مصدر «أنْفقَ»، أي: أخرج المال، وقال أبو عبيدة: «هو بمعنى الافتقار، والإقتار».
قوله: خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي، أي: نعمة ربِّي.
إِذاً لأمْسَكْتُمْ لبخلتم.
خَشْيَةَ الإنفاق : الفاقة.
وقيل: خشية النفاق يقال: أنفق الرجل، أي: أملق، وذهب ماله، ونفق الشَّرُّ، أي: ذهب.
وقيل: لأمسكتم عن الإنفاق؛ خشية الفقر، ومعنى «قَتُوراً» : قال قتادة: بخيلاً ممسكاً.
يقال: أقْتَرَ يُقْتِرُ إقتاراً، وقتَّر تَقْتِيراً: إذا قصَّر في الإنفاق.
فإن قيل: قد حصل في الإنسان الجواد، والكريم.
فالجواب من وجوه:
الأول: أن الأصل في الإنسان البخلُ؛ لأنَّه خلق محتاجاً، والمحتاج لا بد وأن يحبَّ ما به يدفع الحاجة، وأن يمسكه لنفسه، إلا أنَّه قد يجود به [لأسبابٍ] من خارج، فثبت أنَّ الأصل في الإنسان البخلُ.
الثاني: أنَّ الإنسان إنَّما يبذلُ؛ لطلب الحمدِ، وليخرج من عهدة الواجب، ثم للتَّقرُّب إلى الله تعالى، فهو في الحقيقة إنَّما أنفق ليأخذ العوض، فهو بخيلٌ، والمراد بهذا الإنسان المعهود السَّابق، وهم الذين قالوا: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً [الإسراء: ٩٠].
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود