ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ

المعنى الإجمالي :
بعد أن أقام سبحانه الدليل على إعجاز القرآن ولزمتهم الحجة وغلبوا على أمرهم ؛ أخذوا يراوغون ويقترحون الآيات ويتعثرون في أذيال الحيرة، فطلبوا آية من آيات ست، فإن جاءهم بآية منها ؛ آمنوا به وصدقوا برسالته ؛ فأمره الله بأن يرد عليهم بأن اقتراح الآيات ليس من وظيفة الرسل وإنما وظيفتهم البلاغ للناس.
ثم حكى عنهم شبهة أخرى وهي استبعادهم أن يرسل الله رسولا من البشر، فأجابهم : بأن أهل الأرض لو كانوا ملائكة ؛ لوجب أن تكون رسلهم من الملائكة ؛ لأن الجنس أميل إلى جنسه.
ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم على ما يلاقي من قومه، أن الهداية والإيمان بيد الله، ولا قدرة للنبي على شيء من ذلك، ومن يضلل الله فلا هادي له. وسيلقى المكذبون جزاءهم في نار جهنم بما كسبت بما كسبت أيديهم ودسوا به أنفسهم من الكفر والفجور والمعاصي وإنكار البعث والحساب.
وهم يعلمون أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يعيدهم مرة، أخرى ثم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم : لو كنتم تملكون خزائن رزق ربي ؛ لبخلتم خشية الفقر ؛ لأن الإنسان مطبوع على شدة الحرص والبخل، والله هو الغني الجواد، يمنح ما شاء لمن شاء، وينزل المعجزات ما شاء لا ما شاء الناس وهو في ذلك كله حكيم عليم.

سبب نزول الآيات :

روى الطبري بإسناده١ عن ابن عباس أن نفرا من قريش اجتمعوا بعد غروب الشمس عند الكعبة وطلبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءهم فقالوا له : يا محمد، إن كنت جئت بهذا الحديث- يعنون القرآن- تطلب به مالا ؛ جمعنا لك أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد الشرف ؛ سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ؛ ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي بك رئيا من الجن، تراه قد غلب عليك لا تستطيع رده ؛ بذلنا لك أموالا في طلب الطب حتى نبرأك منه- وكانوا يسمعون التابع من الجن ؛ رئيا- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما من شيء ممال تقولون، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم فإن تقبلوا مني فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله عز وجل، حتى يحكم الله بيني وبينكم ) فقالوا : يا محمد، فإن كنت صادقا فيما تقول : فسل لنا ربك الذي بعثك، فليسير عنا هذا الجبل الذي قد ضيق علينا، ويبسط لنا بلادا، ويفجر لنا فيها الأنهار، كأنهار الشام والعراق، ويبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخا صدوقا، فنسألهم عما تقول : أحق هو أم باطل، فإن صدقوك ؛ صدقناك، ثم قالوا : فإن لم تفعل هذا فسل لنا ربك أن يبعث ملكا يصدقك، واسأله أن يجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة، تعينك على معاشك. فقال :( ما بعثت بهذا )، قالوا : فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفا، فإن لربك إن شاء فعل، كما تقول، وقالوا : لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا.
وقول عبد الله بن أبي أمية- وهو ابن عاتكة، عمة الرسول- : لا أومن بك أبدا حتى تتخذ سلما إلى السماء ترقى فيه وإنا ننظر إليك حتى تأتيها، فتأتي بنسخة منشورة معك وبنفر من الملائكة يشهدون لك بما تقول.
فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم حزينا ؛ لما رأى من تباعدهم عن الهدى فأنزل الله عز وجل، تسلية له صلى الله عليه وسلم وقالوا لن نؤمن لك... الآية٢.
المفردات :
خشية الإنفاق : أي : خوف الفقر.
قتورا : أي : مقترا بخيلا، يقال : قتر عليه، يقتر، قترا، وقتر أي : ضيق عليه.
التفسير :
١٠٠- قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربّي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا .
المراد من الإنفاق هنا : الفقر، يقال : أنفق فلان إذا افتقر، وقال أبو عبيدة : أنق، وأملق، وأعدم، وأصرم، بمعنى : أي : قل لهم أيها الرسول : إنكم لو تملكون التصرف في خزائن الله ؛ لأمسكتم خشية الفقر : أي : خشية أن تزول وتذهب مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبدا.
وكان الإنسان قتورا . أي بخيلا شحيحا، والقتر، والإقتار، والتقتير : هو التقصير في الإنفاق.
قال النيسابوري :
وهذا الخبر لا ينافي ما قد يوجد في الناس ممن هو كريم جواد ؛ لأن اللام في الإنسان للجنس أي : هذا الجنس من شأنه الشح، إذا كان باقيا على طبعه ؛ لأنه خلق محتاجا إلى ضرورات المسكن والملبس والمطعوم والمنكوح، ولا بد له في تحصيل هذه الأشياء من المال، فبه تندفع حاجاته وتتم الأمور المتوقفة على التعاون، فلا جرم يحب المال ويمسكه لأيام الضرورة والفاقة، ومن الناس من يحب المال محبة ذاتية لا عرضية، فإذا الأصل في الإنسان هو البخل. والجود منه إنما هو أمر تكلفي أو عرضي ؛ طلبا للثناء أو الثواب. وقيل : المراد بهذا، الإنسان المعهود السابق، ممن قالوا : لن نؤمن لك ؛ حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا... فبيّن الله تعالى : أنهم لو ملكوا خزائن الأرض ؛ لبخلوا بها١.
وقال ابن كثير :
إن الله تعالى يصف الإنسان من حيث هو إلا من وفقه الله وهداه، فإن البخل والجزع والهلع صفة له، كما قال تعالى : إن الإنسان خلق هلوعا. إذا مسّه الشرّ جزوعا. وإذا مسّه الخير منوعا. إلا المصلّين ( المعراج : ٢٢، ١٩ ).
وشبيه بهذه الآيات قوله سبحانه :
أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا . ( النساء : ٥٣ ).
أي : لو أن لهم نصيبا في ملك الله ؛ لما أعطوا أحدا شيئا ولا مقدار نقير، وقد جاء في الصحيحين :( يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه )٢.
وجاء في تفسير الخطيب ما يأتي :
فإن قيل : قد يوجد في جنس الإنسان من هو جواد كريم ؛ أجيب من وجوه :
الأول : أن الأصل في الإنسان البخل ؛ لأنه خلق محتاجا والمحتاج لا بد وأن يحبس ما به يدفع الحاجة، وأن يمسكه لنفسه إلا أنه قد يجوز به لأسباب من الخارج، فثبت أن الأصل في الإنسان البخل.
الثاني : أن الإنسان إنما يبذل ؛ لطلب الثناء والحمد، وليخرج من عهدة الواجب، فهو في الحقيقة ما أنفق إلا ليأخذ العوض فهو في الحقيقة بخيل.
الثالث : أن المراد بهذا الإنسان المعهود السابق، وهم الذين قالوا : لن نؤمن لك حتى تفجر من الأرض ينبوعا ٣.

١ - تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري ١٥/٩٧..
٢ - أخرجه البخاري في ٩٧- كتاب التوحيد، ١٩- باب حدثنا معاذ ابن فضالة حديث ٢٠١٢ عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة وجاء في شرح النووي على صحيح مسلم ج ٧ ص ٨٠ السح الصب الدائم، والليل والنهار منصوبان على الظرف ومعنى لا يغيضها شيء أي: لا ينقصها يقال: غاض الماء وغاضه الله لازم ومتعد وفي رواية أبي هريرة في مسلم: (قال الله تبارك وتعالى: (يا ابن آدم أنفقْ أنفقْ عليك). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يمين الله ملأى)..
٣ - تفسير الخطيب الشربيني ج ٢ ص ٣٢٥..

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

شحاته

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير