ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

المعنى الإجمالي :
في ختم السورة وضحت الآيات سمو القرآن وجلالة قدره، وبينت : أنه هو الثابت الذي لا يزول، وأنه نزل مفرقا ؛ ليسهل حفظه، ولتثبت أحكامه وأسراره، ثم هونت الآيات من شأن المعاندين ووبختهم واحتقرتهم، وبينت : أن كفرهم لا ينقص من قيمة القرآن، فسيان إيمانهم به ووعد إيمانهم، فإن الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب كانوا لا يتمالكون أنفسهم إذا سمعوا القرآن أن يخروا لله ساجدين، يغمرهم التأثر والبكاء.
ثم أردفت الآيات ببيان أنكم إن ناديتم الله أو الرحمان فالأمر سواء، وأمرت الرسول أن يتوسط في صلاته بين الجهر والخفوت وختمت الصورة كما بدأت بحمد الله وتقرير وحدانيته بلا ولد ولا شريك، وتنبيهه عن الحاجة إلى الولي والنصير، وهو العلي الكبير، فيلخص الختام محور السورة التي دارت عليه والذي بدأت به ثم ختمت به.
المفردات :
ادعوا الله أو ادعوا الرحمان : أي : سموه بهذين الاسمين.
أياما تدعو فله الأسماء الحسنى : ما زائدة، والمعنى : ادعوا الله أو ادعوا الرحمان أي : هذين الاسمين تدعون فله أحسن الأسماء والحسنى مؤنث الأحسن.
ولا تخافت بها : خفت الرجل بقراءته : إذا لم يبينها برفع الصوت، وتخافت القوم : تسأروا فيما بينهم.
التفسير :
١١٠- قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان أيّا ما تدعو فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا .
قل لهؤلاء المشركين : سموا الله باسم الله، أو اسم الرحمان، فأي اسم تسمونه فهو حسن، وهو تعالى له الأسماء الحسنى ولا شبهة لكم من أن تعدد الأسماء يستوجب تعدد المسمى، وإذا قرأت القرآن في صلاتك، فلا ترفع صوتك به ؛ لئلا يسمع المشركون فيسبونك ويؤذونك، ولا تسر به فلا يسمع المؤمنون، وكن وسطا في قراءتك.
قال الطبري والنيسابوري والنسفي : عن ابن عباس : أن أبا جهل سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : يا الله يا رحمان، فقال : إن محمدا ينهانا أن نعبد إلهين، وهو يدعو إلها آخر. وقيل : إن أهل الكتاب قالوا : إنك لتقل ذكر الرحمان، وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم ؛ فنزلت١.
وفي تفسير القاسمي :
قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان . رد لما أنكره المشركون من تسمية الرحمان، وإذن بتسميته بذلك، أي : سموه بهذا الاسم أو بهذا و( أو ) للتخيير. أيّا ما تدعو فله الأسماء الحسنى أي : أيُّ هذين الاسمين سميتم وذكرتم فهو حسن. وقد وضع موضعه قوله : فله الأسماء الحسنى ؛ للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه، إذ حسن جميع أسماءه يستدعي حسن دينك الاسمين، فأقيم فيه دليل الجواب مقامه وهو أبلغ. ومعنى كونها أحسن الأسماء : أنها مستقلة بمعاني الحمد والتقديس والتعظيم٢ وهذه الآية كقوله تعالى : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها . ( الأعراف : ١٨٠ ).
وقد روى الطبري بإسناده : عن أبي هريرة : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إن لله تسعا وتسعون اسما كلهن في القرآن من أحصاهن ؛ دخل الجنة ). ومعناه : من عرف معانيها وآمن بها وقيل : معناه : من أحصاها بحسن الرعاية لها وتخلق بما يمكنه من العمل بمعانيها٣ وقد وردت أسماء الله الحسنى كاملة في الحديث الذي رواه الترمذي في الجامع الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، ووردت في تفسير الجلالين، ثم شرحت معاني هذه الأسماء شرحا مستفيضا في حاشية الجمل على الجلالين٤.
ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا .
أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتوسط في صلاته بين الجهر والخفوت ؛ لما كانوا يقابلون به صلاته من استهزاء وإيذاء، أو من نفور وابتعاد، ولعل الأمر كذلك ؛ لأن التوسط بين الجهر والخفاء أليق بالوقوف في حضرة الله تعالى.
وروي : أن الرسول صلى الله عليه وسله طاف بالليل على دور الصحابة، فكان أبو بكر يخفي صوته، وكان عمر يرفع صوته، وفي الصباح سأل النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر عن قراءته فقال يا رسول الله، أناجي ربي وقد علم حاجتي، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عمر فقال : أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يرفع صوته قليلا، وأمر عمر أن يخفض صوته قليلا ؛ فنزلت الآية على حسب ذلك، وقيل معناه : لا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت بها كلها وابتغ بين ذلك سبيلا بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار، وعن عائشة وأبي هريرة ومجاهد : أن الصلاة هنا : الدعاء. وقد يروى هذا مرفوعا قال الحسن : لا يرائي بعلانيتها ولا يسيء بسريرتها٥.

١ - تفسير النيسابوري ١٥/١٠٢ وتفسير النسفي ٢/٢٥٥، وقال أبو جعفر الطبري: ولدخول ما في قوله: أياما تدعوا وجهان: أحدهما: أن تكون صلة كما قيل: ما إن رأيت كالليلة ليلة- تفسير الطبري ١٥/١٢٢..
٢ - تفسير القاسمي ١٠/٤٠١١، ٤٠١٢ وهذا المعنى في تفسير النيسابوري ١٥/١٠٢..
٣ - انظر حاشية الجمل ٢/٦٥٥، وفيها أن الإمام النووي فسر الإحصاء بالحفظ وهكذا فسره البخاري والأكثرون، ويؤيده أن في رواية الصحيح: (من حفظها دخل الجنة) ونرى أن حفظهما لا بد أن يرافقه فهم معناها والعمل بمقتضاه..
٤ - انظر حاشية الجمل على الجلالين ٢/٦٥٥ – ٦٦٧ وأسماء الله الحسنى كما وردت في الحديث الصحيح هي (الله الذي لا إله إلا هو الرحمان، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواحد، الماجد، الأحد، الفرد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الولي، المتعال، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور)..
٥ - وردت هذه الآراء في تفسير الطبري وتفسير النيسابوري..

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الله محمود شحاتة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير