ﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ

من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه لها ثوابها لا ينجي اهتداؤه غيره ومن ضل فإنما يضل عليها عليها عقابه لا يردى ظلاله سواه والله أعلم. أخرج ابن عبد البر بسند ضعيف عن عائشة قالت : سألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين ؟ قال :( هم من آبائهم ) ثم سألته بعد ذلك فقال :( الله أعلم بما كانوا عاملين ثم سألته بعدما استحكم الإسلام فنزلت ولا تزر وازرة وزر أخرى أي لا تحمل حاملة حمل نفس أخرى أي ثقلها من الآثام بل إنما تحمل وزر نفسها وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا يبين الحجج ويمهد الشرائع فيلزمهم الحجة، قال الشافعي في هذه الآية دليل على أنه لا وجوب قبل البعثة بالعقل فلا يعذب من لم يبلغه الدعوة على الشرك ولا على شيء من المعاصي وقال أبو حنيفة رضي الله عنهم : الحاكم هو الله تعالى لكن العقل قد يدرك بعض ما وجب عليه، وهو التوحيد والتنزيهات والإقرار بالنبوة بعد مشاهدة المعجزات، فهذه الأمور غير متوقفة على الشرع وإلا لزم الدور لأن الشرع يتوقف عليها، فيجب على الإنسان إتيان هذه الأمور قبل بعثة الرسل ويعذب المشرك وإن لم يبلغه الدعوة، ويؤيد هذا القول ما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( يقول الله : يا آدم فيقول : لبيك وسعديك والخير في يديك، قال : أخرج بعث النار، قال : وما بعث النار ؟ قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فعنده يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، قالوا : يا رسول الله أينا ذلك واحد ؟ قال : أبشروا فإن منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج ألف )١ الحديث. وجه الاستدلال أن يأجوج ومأجوج رجال وراء السد لم يبعث فيهم رسول، فلولا التعذيب على الشرك قبل بعثة الرسل لما عذبت يأجوج ومأجوج، وقد ورد في أهل الفترة ومن لم يبلغه الدعوة من الأمم أحاديث تدل على أنهم يمتحنون يوم القيامة، منها ما أخرج البزار عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إذا كان يوم القيامة جاءت أهل الجاهلية يحملون أوزارهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم، فيقولون ربنا لم ترسل إلينا رسولا ولم يأتنا أمر لك، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني فيأخذ على ذلك مواثيقهم، فقال : اعمدوا لها فأدخلوها أي النار فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا فرجعوا فقالوا : ربنا فرقنا منها فلا نستطيع أن ندخلها، فيقول : أدخلوها داخرين ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردا وسلاما ) وما أخرج أحمد وابن راهويه في مسنديهما والبيهقي في كتاب الاعتقاد وصححه عن الأسود بن سريغ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( أربعة يحتجون يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة فأما الأصم فيقول : رب جاء الإسلام وما أسمع شيئا، وأما الأحمق فيقول يا رب جاء الإسلام والصبيان يخذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول : لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، وأما الذي مات في فترة فيقول : يا رب ما أتاني لك رسول، فأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن أدخلوا النار فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا ) وما أخرج الثلاثة أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا مثله غير أنه كان في آخره فمن دخلها كانت عليه بردا أو سلاما، ومن لم يدخلها يسحب إليها، وأخرج المبارك عن مسلم بن يسار قال لي إنه يبعث يوم القيامة عبد كان في الدنيا أعمى أصم أبكم كذلك لم يسمع شيئا قط ولم يبصر شيئا قط ولم يتكلم شيئا، فيقول الله تعالى ما عملت فيما أمرت به ؟ فيقول : أي رب والله ما جعلت لي بصرا أبصر به الناس فأقتدي بهم، وما جعلت لي سمعا فأسمع به ما أمرت به و نهيت عنه، وما جعلت لي لسانا فأتكلم بخير أو بشر، وما كنت إلا كالخشبة فيقول الله عز وجل تطيعني الآن فيما آمرك به قال نعم فيقول : قع في النار فيأبى فيدفع فيها.
قلت : على ما قالت الحنفية أن المشرك يعذب إن كان عاقلا قبل أن تبلغه الدعوة كما يدل عليه قوله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ٢ فإنه يعم أصحاب الفترة، تحمل هذه الأحاديث على أن بعض المشركين من أهل الفترة لعلهم يجادلون الله تعالى ويعتذرون بالجهل فيلزمهم الله تعالى الحجة بالامتحان، كما أن المشركين لما ينكرون شركهم ويقولون : والله ربنا ما كنا مشركين ٣ ويطلبون على أنفسهم شهودا، فحينئذ يشهد عليهم جوارحهم فيلزمهم الحجة ولله الحجة البالغة، لا ينصب نفسا شاء أن يعذبها إلا عذبها، وهو عادل فيه هذا في التوحيد، وأما سائر الشرائع فالعقل غير كاف في إدراكها، فلا تجب على الإنسان إتيانها قبل البعثة، لقوله تعالى : وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ٤ وبناء على مذهب الحنفية قال صاحب المدارك في تفسير هذه الآية ما صح منا أن نعذب قوما عذاب استئصال في الدنيا إلا بعد أن نبعث إليهم رسولا فنلزمهم الحجة، قلت وهذا التأويل بعيد جدا، لأن قوله تعالى : وما كنا معذبين ٥ يدل على عموم نفي التعذيب لوقوع النكرة في سياق النفي، ولا وجه للتخصيص بالتعذيب في الدنيا ولا بتعذيب في الآخرة بالطريق الأولى، فالأولى أن يقال إن عدم التعذيب قبل البعثة مخصوص بالمعاصي دون الشرك حيث قال الله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ٦ فالتقدير ما كنا معذبين على المعاصي حتى نبعث رسولا يبين لهم ما يتقون، وقيل : المراد بالرسول أعم من البشر والعقل فإن العقل أيضا رسول من الله يدرك به الخير والشر، فما يدركه العقل ويكفي في إدراكه من الواجبات يعذب الله العاقل عليها على عدم إتيانها.
فصل : هذه الآية تدل على عدم تعذيب الصغار والمجانين وإن كانوا من عداوي المشركين حيث لم يبلغهم دعوة رسول بشرا كان أو عقلا، كما يدل عليه سياق الآية حيث قال الله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى ٧ ومن الأحاديث ما رواه أحمد بسند حسن عن خنساء بن معاوية بن مريم قال : حدثني عمي قال : قلت : يا رسول الله من في الجنة ؟ قال :( النبي في الجنة والشهيد في الجنة والمولود في الجنة والوئيد في الجنة )٨ وما رواه البخاري سمرة بن جندب في حديث المنام الطويل أنه صلى الله عليه وسلم مر على شيخ تحت شجرة وحوله ولدان، فقال جبرائيل : هذا إبراهيم وهؤلاء أولاد المسلمين وأولاد المشركين، قالوا : يا رسول الله وأولاد المشركين ؟ قال : نعم وأولاد المشركين )٩ ولما روى الطيالسي عن أنس أنه سئل عن أطفال المشركين فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لم يكن لهم سيئات فيكونوا من أهل النار ولم يكن لهم حسنات فيجازوا بها فيكونوا من مملوك أهل الجنة هم خدم أهل الجنة ) وما أخرج ابن جرير عن سمرة قال : سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين ؟ فقال : هم خدم أهل الجنة، وأخرج مثله عن ابن مسعود موقوفا. فإن قيل : في الصحيح ما يدل على عدم الجزم بذلك، أخرج الشيخان في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم :( أنه سئل عن أطفال المشركين ؟ فقال " الله أعلم بما كانوا عاملين " ١٠ وأخرج مثله من حديث ابن عباس، قلت : هذا الحكم أعني عدم الجزم بكونهم في الجنة الذي دل عليه هذان الحديثان منسوخ كان قبل نزول آية الفتح الناسخة لقوله تعالى : وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ١١ فإنه صلى الله عليه وسلم كان قبل ذلك يرد بها على من شهد لأحد بعينه بالجنة، ورد بها على من شهدت لعثمان بن مظعون كما في الصحيح فلما نزلت آية الفتح سر بها كثيرا وشهد بعدها لجماعة بأعيانهم بالجنة، وهذا هو الجواب لحديث رواه مسلم عن عائشة قالت :( دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار فقالت : يا رسول الله طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدرك، فقال :( أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم )١٢ فإن هذا الحديث يدل على التوقف في أطفال المسلمين أيضا وقد انعقد الإجماع على كونهم في الجنة، نقله الإمام أحمد وابن أبي زيد وأبو يعلى من الفراء وغيرهم ونصوص الكتاب والأحاديث صريحة في ذلك كذا قال النووي والسيوطي، وهو الجواب عما رواه ابن حبان في صحيحه و البزار عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال أمر هذه الأمة متقاربا ما لم يتكلموا ا في القدر والولدان قال ابن حبان يعني أطفال المشركين فإنا نحمل هذا الحديث أيضا على كونه قبل آية الفتح وقبل أن يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم كونهم في الجنة.
فإن قيل : بعض الأحاديث يدل على كون أطفال المشركين في النار، منها ما أخرج أبو يعلى عن البراء قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المسلمين فقال :" هم مع أبائهم " وسئل عن أطفال المشركين فقال :" هم مع أبائهم " وما روى أبو داود عن عائشة قالت : قلت : يا رسول الله ذراري المؤمنين ؟ قال :( من آبائهم ) فقلت يا رسول الله بلا عمل ؟ قال :( الله أعلم بما كانوا عاملين )١٣ قلت فذراري المشركين " قال من آبائهم، قلت بلا عمل " قال " الله أعلم بما كانوا يعملون " وأخرج أحمد عن عائشة بسند ضعيف جدا أنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أطفال المشركين فقال :( إن شئت أسمعتك تصاعدهم في النار ) وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند بسند فيه مجهول وانقطاع وابن أبي حاتم في السنة عن علي قال سألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ولدين ماتا في الجاهلية ؟ فقال هما في النار فلما رأى الكراهية في وجهها قال لها ولو رأيت مكانهما لأبغضتهما قالت : فولدي منك ؟ قال : إن المؤمنين وأولادهم في الجنة وإن المشركين أولادهم في النار، ثم تلا والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ١٤ وأخرج أبو داود عن ابن مسعود بسند حسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الوائدة والموءودة في النار )١٥ وأخرج أيضا بسند حسن عن سلمة بن قيس الأشجعي قال أتيت أنا وأخي النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا : إن أمنا ماتت في الجاهلية وكانت تقري الضيف وتصل الرحم وإنها وأدت أختا لها في الجاهلية لم تبلغ ؟ فقال :( الوائدة والموءودة في النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم ) قلنا : أما الموءودة الواردة في الحديث فالمراد بها الموءودة لها يعني الأم، والوائدة هي القابلة دفعا للتعارض، وأن الأحاديث المذكورة في كون أطفال المشركين في النار فليس شيء منها يقوي قوة الأحاديث المتقدمة فسقطت بالأحاديث الصحيحة فضلا عن مصادمة القرآن، والقول بكون تلك الأحاديث منسوخة لا يجوز لأن الأخبار لا يحتمل النسخ، اللهم إلا أن يقال إن الله رفع عنهم العذاب بعدما كتب عليهم بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، يدل عليه حديث ابن أبي شيبة عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( سألت ربي اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم ) قال ابن عبد البر : هم الأطفال لأن أعمالهم كاللهو واللعب من غير عقل ولا عزم.
قال السيوطي : اختلف الناس قديما وحديثا في أطفال المشركين على أقوال : أحدها أنهم في النار للأحاديث المذكورة التي دلت على ذلك لكنها ضعيفة لا تق

١ أخرجه البخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قصة يأجوج و مأجوج (٣٣٤٨) وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: قوله صلى الله عليه وسلم:(يقول الله لآدم أخرج بعث النار من كل تسعمائة وتسعة وتسعين) (٢٢٢)..
٢ سورة النساء، الآية: ٤٨..
٣ سورة الأنعام، الآية: ٢٣..
٤ سورة التوبة، الآية: ١١٥..
٥ سورة الإسراء، الآية: ١٥.
٦ سورة النساء، الآية: ٤٨..
٧ سورة الإسراء، الآية: ١٥..
٨ أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في فضل الشهادة (٢٥١٩) وأخرجه أحمد في المسند المجلد الخامس / تابع مسند البصريين..
٩ أخرجه البخاري في كتاب: التعبير، باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح (٧٠٤٧)..
١٠ أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، ما قيل في أولاد المشركين (١٣٨٤) وأخرجه مسلم في كتاب: القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة (٢٦٦٠)..
١١ سورة الأحقاف، الآية: ٩..
١٢ أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (٢٦٦٢)..
١٣ أخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: في ذراري المشركين (٤٧٠٠)..
١٤ سورة الطور، الآية: ٢١..
١٥ أخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: في ذراري المشركين (٤٨٠٤)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير