وقال قتادة في قوله: مَحْسُورًا، (أي نادمًا على ما سلف منك (١)، فجعله من الحَسْرَة، والفاعل من الحسرة يكون حَسْرُا، وحُسْرَان، ولا يقال في الفاعل منه: محسور) (٢).
٣٠ - قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ قال المفسرون: يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء (٣)، والقَدْرُ في اللغة: التضيق (٤)، ومنه قوله: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [الطلاق: ٧]، وقوله: وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [الفجر: ١٦] أي ضَيَّقَ، فمعنى الآية: أنه يُوَسِّعُ في الرزق ويُضيّقُ بحسب مصالح العباد؛ كما قال: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ الآية [الشورى: ٢٧]، وهو معنى قوله: إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا، حيث أجرى رزقهم على ما علم فيه صلاحهم.
وقال عطاء عن ابن عباس في هذه الآية: يريد لو أردت أن أبسط (٥) عليك الرزق وأجعل جبال الدنيا لك ذهبًا وفضة لفعلت، ولم أجعل لك الدنيا لكرامتك علي جعلت لك الآخرة.
٣١ - وقوله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ الآية. سبق تفسير هذه
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ع).
(٣) ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" ١/ ٢١٤ ب، و"الطبري" ١٥/ ٧٨، و"السمرقندي" ٢/ ٢٦٧، و"الثعلبي" ٧/ ١٠٨ أ، و"الطوسي" ٦/ ٤٧١.
(٤) انظر: قدر في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٨٩٧، و"اللسان" ٦/ ٣٥٤٧، و"التاج" ١٧/ ٣٧٣.
(٥) في (أ): (أسبط).
الآية في أواخر سورة الأنعام (١).
وقوله تعالى: إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا قال أبو إسحاق: معناه: إثمًا كبيرًا (٢)، يقال: خَطِىءَ يُخْطِئ خِطْئًا، مثل: أَثِمَ يَأْثَمُ إثمًا، قال الله تعالى (٣): إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ [يوسف: ٩٧]، أي: آثمين، وقال: لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ [الحاقة: ٣٧].
وقرأ ابن عامر خَطَئًا بالفتح (٤)؛ وهو اسم من أخطأ، يقال: أخطأ يُخْطِىءُ، إِخْطَاءً وخِطَاءً، إذا لم يصب عن غير تعمد (٥)، وقد يكون الخطأ الاسم من هذا لا المصدر، ويكون المعنى على هذه القراءة: إن قتلهم كان على غير الصواب، هذا قول أبي إسحاق في معنى هذه القراءة (٦).
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٣٦ بلفظه.
(٣) لعل الأولى أن يقول: قال الله تعالى، عن إخوة يوسف؛ حتى لا يوهم معنى غير مقصود.
(٤) أي بفتح الخاء والطاء وبالهمز من غير مدّ: خَطَئًا. انظر: "السبعة" ص ٣٧٩، و"إعراب القراءات السبع وعللها" ١/ ٣٧٠، و"علل القراءات" ١/ ٣٢٠، و"الحجة للقراء" ٥/ ٩٦، و"المبسوط في القراءات" ص ٢٢٨.
(٥) يقول ابن دريد: الخطأ؛ مقصور مهموز؛ يقال خَطِئَ الشيءَ يخطَأ خَطاءً وخِطاءً: إذا أراده فلم يُصبْه؛ ويكون أيضًا خَطئ الرجلُ، إذا تعمّد الخَطَأ؛ وأخطأ يُخطئ إخطاءً: إذا لم يتعمّد الخَطَأ فهو مخطئ، والأول خاطئ، ومنه قتل الخَطَأ؛ لأنه لم يُردْ قتله. "جمهرة اللغة" ٢/ ١٠٥٤، انظر معاني القرآن للأخفش (٢/ ٦١١، و"معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٤٧، و"تهذيب اللغة" (خطئ) ١/ ١٠٦٠، و"شرح الهداية" ٢/ ٣٨٦، و"العباب الزاخر" أ / ٥٠، و"اللسان" (خطأ) ٢/ ١٢٠٥، و"تاج العروس" (خطأ) ١/ ١٤٥.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٣٦ بتصرف يسير.
وقال أبو علي: قد جاء أخطأ بمعنى خَطِئ أي أثم، كما جاء خَطِئ بمعنى أخطأ، إذا لم يصب الصواب؛ فمن الأول قوله: إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦] بمعنى خَطِئْنَا؛ لأن المؤاخذة عن المخطئ موضوع، وأنشد (١):
| عبادُك يُخْطِئُونَ وأنت ربٌّ | كريم لا تَليقُ بك الذمومُ (٢) |
يا ويحَ هِنْدٍ إذْ خَطِئنَ كاهِلًا (٣)
(٢) "ديوانه" ص ٤٨١، برواية:
بِكَفَّيْكَ المَنَايَا والحُتُومُ
وورد برواية الديوان في "تهذيب إصلاح المنطق" ص ٦٣٢، و"المحتسَب" ٢/ ٢٠، وورد برواية المؤلف بلا نسبة في "تهذيب اللغة" (خطئ) ١/ ١٠٦٠، و"علل القراءات" ١/ ٣٢١، و"تفسير الطوسي" ٦/ ٤٧٢، و"تفسير ابن عطية" ٩/ ٦٨، و"اللسان" (خطأ) ٢/ ١٢٠٥. وبرواية: لا تَمُوتُ. بدل: الحتوم في "أدب الكاتب" ٤٤٤، و"إعراب القراءات السبع وعللها" ١/ ٣٧٠.
(٣) وعجزه:
تالله لا يذهبُ شيْخي باطلًا
"ديوانه" ص ١٣٦، وفيه وفي جميع المصادر: (لهف) بدل (ويح)، وورد في: "معاني القرآن" للأخفش ٢/ ٦١١، و"إصلاح المنطق" ص ٢٩٤، و"تهذيب اللغة" (خطئ) ١/ ١٠٦٠، و"تهذيب إصلاح المنطق" ص ٦٣٢، و"الأساس" ١/ ٢٣٨، و"العباب الزاخر" أ/ ٥٠، و"التاج" (خطأ) ١/ ١٤٥، وورد غير منسوب في "تفسير الطبري" ١٥/ ٧٩، و"الحجة للقراء" ٢/ ١١٥، ٥/ ٩٨، (يا لهف): يا حسرة هند، وهي أخته وقيل: امرأة أبيه، (خطئن): أخطأن ولم يصبن؛ يعني: أن خيله التي أغار بها لم تصب بني كاهل؛ وهم حي من بني أسد، كان فيمن اشترك في قتل حُجْر والد امرئ القيس، (شيخه): أبوه، (باطل): هدر.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي