قوله تعالى: الذي فَطَرَكُمْ : فيه ثلاثة أوجه، أحدُها: أنه مبتدأٌ وخبرُه محذوف، أي: الذي فطركم يعيدُكم. وهذا التقديرُ فيه مطابقةٌ بين السؤالِ والجوابِ. والثاني: أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: مُعِيْدُكم.
صفحة رقم 367
الذي فطركم. الثالث: أنه فاعلٌ بفعلٍ مقدر، أي: يعيدُكم الذي فطركم، ولهذا صُرِّح بالفعل في نظيره عند قولِه: لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم [الزخرف: ٩].
و أَوَّلَ مَرَّةٍ ظرفُ زمان ناصبُه «فَطَركم».
قوله: «فسَيُنْغِضُون»، أي: يُحَرِّكونها استهزاءً. يقال: أَنْغَضَ رأسَه يُنْغِضها، أي: حَرَّكها إلى فوقُ، وإلى أسفلَ إنغاضاً، فهو مُنْغِضٌ، قال:
| ٣٠٧ - ١- أَنَغَضَ نحوي رأسَه وأَقْنَعا | كأنه يطلُبُ شيئاً أَطْمعا |
٣٠٧ - ٢- لَمَّا رَأَتْنِي أَنْغَضَتْ لِي الرَّأْسا... وقال أبو الهيثم: «إذا أُخْبِرَ بشيءٍ فَحَرَّك رأسَه إنكاراً له فقد أَنْغَضَ». قال ذو الرمة:
| ٣٠٧ - ٣- ظَعائِنُ لم يَسْكُنَّ أَكْنافَ قريةٍ | بِسِيْفٍ ولم تَنْغُضْ بهنَّ القَنَاطِرُ |
ونُغوضاً. قال:
٣٠٧ - ٤- ونَغَضَتْ مِنْ هَرَمٍ أسنانُها... قوله: عسى أَن يَكُونَ يجوز أن تكونَ الناقصة، واسمُها مستترٌ فيها يعودُ على البعثِ والحشرِ المدلولِ عليهما بقوة الكلام، أو لتضمُّنِه في قوله «مَبْعوثون»، و «أن يكونَ» خبرُها، ويجوز أن تكونَ التامَّةَ مسندةً إلى «أنَّ» وما في حيِّزها، واسمُ «يكونَ» ضميرُ البعثِ كما تقدَّم.
وفي «قريباً» وجهان، أحدُهما: أنه خبر «كان» وهو وصفٌ على بابِه. والثاني: أنه ظرفٌ، أي: زماناً قريباً، وأن يكونَ «على هذا تامةٌ، أي: عسى أن يقع العَوْد في زمانٍ قريب.
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط