تفسير المفردات : يكبر في صدوركم : أي يستبعد قبوله للحياة. فطركم : أي ذرأكم وأوجدكم. فسينغضون إليك رؤوسهم : أي سيحركونها استهزاء، يقال نغض رأسه نغضا إذا تحرك، وأنغض رأسه : حركه كالمتعجب من الشيء.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٠:م٤٩
قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم أي قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يستبعد عندكم قبوله للحياة كالسماوات والأرض والجبال، فإن الله لا يعجزه إحياؤكم لتساوي الأجسام في قبولها الأعراض المختلفة، فكيف إذا كنتم عظاما بالية، وقد كانت قبل حية، والشيء أقبل لما عهد فيه مما لم يعهد ؟
وخلاصة ذلك : إنكم كنتم كذلك لما أعجزتم الله عن الإعادة والإحياء، وهذا كما يقول القائل للرجل : أتطمع فيّ وأنا فلان ؛ فيقول : كن ابن من شئت، كن ابن الخليفة، فسأطلب منك حقي.
وجملة المعنى : إن في هذا مبالغة أيما مبالغة في قدرة القادر العليم على الإعادة والإحياء، كما يقال : لو كنت عين الحياة فالله يميتك، ولو كنت عين الغني فالله يفقرك.
وبعد أن استبعدوا الإعادة استبعدوا صدورها وهي على هذه الحال حجارة أو حديدا من أي معيد. كما حكى عنهم سبحانه بقوله :
فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة أي فسيقولون لك من يعيدنا ونحن على هذه الحال ؟ قل لهم تحقيقا للحق وإزاحة للاستبعاد، وإرشادا إلى طريق الاستدلال : الذي يفعل ذلك هو القادر العظيم، الذي ذرأكم أول مرة على غير مثال يحتذى ولا منهاج معين ينتحى، وكنتم ترابا لم يشمّ رائحة الحياة، أليس الذي يقدر على ذلك، يقدر على أن يفيض الحياة على العظام البالية، ويعيدها إلى ما كانت عليه أولا ؟ بلى إنه سبحانه على كل شيء قدير.
ثم بين جلّت قدرته ما يفعلون حين سماع هذه الإجابة فقال :
فسينغضون إليك رؤوسهم قال أبو الهيثم : يقال لمن خبر بشيء فحرك إنكارا له : قد أغض، أي إنك إذا قلت لهم ذلك يحركون رؤوسهم استهزاء وتكذيبا، ثم يسألون.
ويقولون متى هو أي متى هذا البعث، وفي أي وقت وحال يعيدنا خلقا جديدا كما كنا أول مرة، ومقصدهم من هذا السؤال استبعاد حصوله.
وفي معنى الآية قوله : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين [ يونس : ٤٨ ] وقوله : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها [ الشورى : ١٨ ].
قل عسى أن يكون قريبا أي فاحذروا ذلك، فإنه قريب منكم سيأتيكم لا محالة، وكل آت قريب، وكل ما هو محقق الحصول قريب وإن طال زمانه، ولم يخبر به أحدا من خلقه، لا ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، لكن الخبر قد جاء بقرب حدوثه كما قال :" بعثت أنا والساعة كهاتين " وأشار بالسبابة والوسطى.
تفسير المراغي
المراغي