ﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ

القول الحسن
" وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن، إن الشيطان ينزغ بينهم، إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا.
ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم، أو إن يشأ يعذبكم و ما أرسلناك عليهم وكيلا "
( سورة الإسراء. الآيتان ٥٣، ٥٤ ).
تمهيد :
اللسان وخطره :
اللسان أداة البيان، وترجمان القلب والوجدان.
والكلام به يتعارف الناس ويتقاربون، و به يتحاجون ويتفاضلون، ولولاه لما ظهرت ثمرات العقول والمدارك، ولما تلاحقت الأفكار والمشاعر، ولما تزايدت العلوم والمعارف، ولما ترقى الإنسان في درجات أنواع الكمالات، ولما امتاز على بقية الحيوانات.
فهو رابطة أفراد النوع الإنساني وعشائره و أممه. وبريد عقله وواسطة تفاهمه.
فإذا حسن قويت روابط الألفة، وتمكنت أسباب المحبة، وامتد رواق السلام بين الأفراد والعشائر و الأمم. وتقاربت العقول والقلوب بالتفاهم، وتشابكت الأيدي في التعاون والتآزر.
و يعني العالم من وراء ذلك تقرر الأمن واطراد العمران.
و إذا قبح كان الحال على ضد ذلك :
فالكلام السيء قاطع لأواصر الأخوة، باعث على البغضاء والنفرة، يبعد بين العقول فتحرم الاسترشاد و الاستعداد والتعاون. وبين القلوب فتفقد عواطف المحبة وحنان الرحمة، وهما أشرف ما تتحلى به القلوب، وإذا بطلت الرحمة والمحبة بطلت الألفة والتعاون، وحلت القساوة والعداوة، وتبعهما التخاصم والتقاتل.
و في ذلك كل الشر لأبناء البشر.
القول الحسن :
فالمحصل للناس سعادتهم وسلامتهم، والمبعد لهم عن شقاوتهم وهلاكهم – هو القول الحسن :
ولهذا أمر الله تعالى نبيه – صلى الله عليه و آله وسلم – أن يرشد العباد إلى قول التي هي أحسن، فقال تعالى :" وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ".
( والعباد المأمورون هنا هم المؤمنون لوجهين :
الأول : أنهم أضيفوا إليه وهذه إضافة شرف لا يكون إلا للمؤمنين به.
الثاني : أن الذين يخاطبون بهذا الإرشاد و يكون منهم الامتثال إنما هم من حصلوا أصل الإيمان.
التي هي أحسن و مواطنها :
( والتي هي أحسن ) هي الكلمة الطبية، والمقالة التي هي أحسن من غيرها.
فيعم ذلك.
ما يكون من الكلام في التخاطب العادي بين الناس، حتى ينادي بعضهم بعضا بأحب الأسماء إليه(١).
و ما يكون من البيان العلمي فيختار أسهل العبارات و أقربها للفهم حتى لا يحدث الناس بما لا يفهمون، فيكون عليهم حديثه فتنة و بلاء.
و ما يكون من الكلام في مقام التنازع والخصام فيقتصر على ما يوصله إلى حقه في حدود الموضوع المتنازع فيه، دون أذاية لخصمه، ولا تعرض لشأن من شؤونه الخاصة به(٢).
وما يكون من باب إقامة الحجة وعرض الأدلة، فيسوقها بأجلى عبارة و أوقعها في النفس، خالية من السب والقدح، ومن الغمز والتعرض، ومن أدنى تلميح إلى شيء قبيح.
عموم الأمر :
و هذا يطالب به المؤمنون سواء كان ذلك فيما بينهم، أو بينهم وبين غيرهم.
و قد جاء في الصحيح :" أن رهطا من اليهود دخلوا على النبي – صلى الله عليه و آله وسلم –
فقالوا : السام عليكم(٣) ففهمتها عائشة – رضي الله عنها – فقالت : و عليكم السام واللعنة. فقال لها رسول الله – صلى الله عليه و آله وسلم - : مهلا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله. فقالت : ألم تسمع ما قالوا ؟ فقال : قد قلت : وعليكم ".
فكان الرد عليهم بمثل قولهم بأسلوب العطف على كلامهم، وهو قوله و عليكم، أحسن من الرد عليهم باللعنة. فقال – صلى الله عليه و آله وسلم- القولة التي هي أحسن، وهذا أدب الإسلام للمسلمين مع جميع الناس.
و أفاد قوله تعالى :" أحسن " بصيغة اسم التفضيل أن علينا أن نتخير في العبارات الحسنة، فننتقي أحسنها في جميع ما تقدم من أنواع مواقع الكلام.
خطر الكلمة :
فحاصل هذا التأديب الرباني هو اجتناب الكلام السيء جملة، و الاقتصار على الحسن، وانتقاء واختيار الأحسن من بين ذلك الحسن. وهذا يستلزم استعمال العقل و الروية عند كل كلمة تقال(٤)، ولو كلمة واحدة :
فرب كلمة واحدة أوقدت حربا، و أهلكت شعبا، أو شعوبا.
و رب كلمة واحدة أنزلت أمنا و أنقذت أمة أو أمما.
و قد بين لنا النبي – صلى الله عليه و آله وسلم – مكانة الكلمة الواحدة من الأثر في قوله :" الكلمة الطيبة صدقة، واتقوا النار و لو بكلمة طيبة ".
ضرورة الأدب الإسلامي :
و هذا الأدب الإسلامي – و هو التروي عند القول، واجتناب السيء
واختيار الأحسن – ضروري لسعادة العباد وهنائهم. و ما كثرت الخلافات وتشعبت الخصومات وتنافرت المشارب، وتباعدت المذاهب حتى صار المسلم عدو المسلم.
و النبي صلى الله عليه و آله وسلم يقول - :" المسلم أخو المسلم " – إلا بتركهم هذا الأدب، وتركهم للتروي عند القول والتعمد السيء، بل للأسوأ في بعض الأحيان.
التحذير من كيد العدو الفتان :
" إن الشيطان ينزغ بينهم، إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا "
( نزغ الشيطان ) وسوسته ليهيج الشر والفساد. وعداوته باعتقاده البغيض، و سعيه في جلب الشر والضر. و إبانته لعداوته بإعلانه لها كما علمنا القرآن.
كيف ينزغ الشيطان :
وهو يلقي للإنسان كلمة الشر والسوء، و يهيج غضبه ليقولها، و يهيج السامع ليقول مثلها، وهكذا حتى يشتد المراء ويقع الشر والفساد.
ولون آخر من نزغه، و هو أنه يحسن للمرء قول الكلمة التي يكون فيها احتمال السوء، ويلح عليها في قولها، ويبالغ في تحسين الوجه السالم منه، وفي تهوين أمر وجهها القبيح - حتى يقولها.
فإذا قالها عاد لسماعه بالنزغ يطمس عنه الوجه السالم منهان ويكبر له الوجه القبيح، ولا يزال به يثير نخوته، ويهيج غضبه، حتى يثور فيقع الشر والفساد بينه وبين صاحبه.
فحذر الله تعالى عباده من كيده حتى يحترسوا منه إذا تكلموا، وإذا سمعوا فيتباعدون عما فيه احتمال السوء، فضلا عن صريحه و يحملون الكلام على وجهه الحسن عند احتماله له، و يتجاوزون عن سيئة الصريح ما أمكن التجاوز، المحاسنة على الحال والظاهر والتفويض إلى الله تعالى

١ و كما أوصى المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ليكون أدعى إلى المحبة والمودة.
.

٢ و الرسول صلى الله عليه و آله وسلم دعا بالرحمة لرجل سهل إذا باع أو اشترى أو قضى أو اقتضى.
.

٣ والسام، هو الموت.
.

٤ و رب كلمة حق يرفع الله بها الدرجات، ورب كلمة سوء تهوي بصاحبها في الدركات.
.

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير