ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧ

٧٩٨- في الآية من الأسئلة : كيف يكون تكذيب الأولين مانعا لله تعالى، والله تعالى لا يمنعه من التصرف في ملكه مانع ؟ وهل هذا المانع عقلي أو عادي ؟ وهل هذا الاستثناء متصل أم لا ؟ وما موضع " أن " الأولى و " أن " الثانية ؟ وهل إعرابها واحد أو مختلف ؟.
والجواب : إن هذه الآية من المشكلات، وتحتاج إلى تحرير من علم البيان وأصول الديانات، وقد احتج بها الملحدة وأرباب الشبهات على أن الله تعالى لم يبعث محمدا عليه السلام بشيء من المعجزات، لذكره تعالى المانع من إرسال الآيات.
وأصل المعنى في الآية : أن الله تعالى أجرى عادة في خلقه أن متى اقترح قوم آية وجاءت، ولا يؤمن أولئك المقترحون عجلوا بالعذاب، وجرى بذلك قضاؤه وقدره وسابق علمه، وتعلق به كلامه النفساني وجرى قدره أيضا سبحانه وتعالى أن هذه الأمة لا تعامل بهذه المعاملة ببركة نبيها ولطفه، ونعمته تعالى على نبيه وعليها، وأنه تعالى قدر أن يخرج من هؤلاء الكفار من أصلابهم المؤمنون، والعلماء، والشهداء، والصديقون، والأولياء إلى قيام الساعة. فيكون تقدير الآية من جهة علم البيان : " وما منعنا أن نرسل بالآيات المقترحات إلا كراهة سنة أن كذب بها الأولون ". فيبقى لفظ الآية على صورته ووضعه، ولا يتغير فيه شيء، وحذف مضافين لا غرو فيهما، فقد يحذف أكثر من كما في قوله تعالى : فقبضت قبضة من أثر الرسول ١ قال أرباب علم البيان : " أصله : فقبضت قبضة من أثر تراب حافر فرس الرسول ".
وكراهة الله تعالى هي متعلق إرادته بضد المكروه في مثل هذا السياق.
وقد يكون بغير هذا المعنى، كقوله تعالى : كره الله انبعاثهم ٢. أي : أراد إقامتهم ". وكذلك فسره العلماء.
فكراهة الله تعالى لسنة الأولين : إرادة ضدها، وهو الاهمال، لأنه ضد التعجيل.
وهذا المانع عقلي، لأن خلاف ما تعلقت به الإرادة أو العلم أو الخبر محال عقلا. وليس في ذلك وصمة ولا خلل في كمال الربوبية ونفوذ التصرف، فإن المنع جاء من التصرف وتعليق الإرادة بالضد، فلو جاء بغير التصرف فمنع التصرف ورد السؤال وأشكل، وليس كذلك، بل ذلك بمشيئة الله تعالى وقضاه وقدره، فلا خلل حينئذ.
والمانع حينئذ ليس تكذيب الأولين، وإنما المانع المضاف المحذوف، ولا ينتظم الكلام إلا به، وهو المراد.
وكيف يتصور عاقل أن تكذيبا مضى أهله، ولم يبق له أثر يمنع في الوقت الحاضر من فعل أقل الفاعلين والمتصرفين ؟ فكيف برب العالمين وأقدر القادرين ؟.
ويكن هذا الاستثناء متصلا، لأن المتقدمة سلبت جميع الموانع بالنفي.
وتقدير الكلام : " ما منعنا مانع من إرسال الآيات المقترحات إلا كراهة سنة أن كذب بها الأولون " وهذا مانع من جملة الموانع، فيكون الاستثناء متصلا، ولا يكون للملحدة في هذه الآية شبهة. فإن الآيات المنفية في هذه الآية إنما هي المقترحات، وأما غير المقترحات فلم تنف، بل صرح القرآن بوجودها في غير موضع من القرآن، كقوله تعالى : وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ٣.
وأخبر الله تعالى أن جملة القرآن آيات بقوله تعالى : بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ٤... إلى غير ذلك من الألفاظ الدالة على الإتيان بالمعجزات والآيات البينات.
فإن قلت : قد ورد في الأخبار أنهم اقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر ومجيء الشجر، فلم تنتف الآيات المقترحات كلها.
قلت : " المراد المقترح الملجئ للإيمان في مجرى العادة، ولا تبقى معه شبهة كناقة صالح وخروجها من الحجر، وقول قريش : " أزل عنا الجبال وتبقى مواضعها أرضا نزرعها " و " اجعل لنا الصفا ذهبا ". فإنها أمور تدوم ويحصل بها من الإلجاء ما لا يحصل من مكث المعجزة الساعة الواحدة، والزمن الذي لا يدوم ".
فإن قلت : لم قدرت مضافين ؟ ولم لا اكتفيت بواحدة وهو " سنة الأولين " أو كراهة أن كذب بها الأولون ؟
قلت : " يتعين المضافان بسبب أن الكراهة مع التكذيب فقط تقتضي أن الأولين آمنوا، فإن الله تعالى إذا كره تكذيبهم فقد أراد إيمانهم، ولو أراد إيمانهم لآمنوا، لكنهم لم يؤمنوا، فلا يكون الله تعالى أراد إيمانهم.
ولو قدرنا " سنة أن كذب بها الأولون " فقط كان ذلك فعلا قد مضى، وانقضى، وهو عقوباتهم وتعجيلها لهم، وذلك لا يصلح للمنع فيتعين أن يكون التقدير : " كراهة سنة أن كذب الأولون ".
وأما الأولى فموضعها نصب " يمنعنا " وتقديره : " وما منعنا إرسال الآيات " وأن الثانية موضعها رفع، لأنه الفاعل ب : " منعنا " وكلاهما مع ما بعده من الفعل بتأويل المصدر، لكن أحد المصدرين في موضع نصب والآخر في موضع رفع. ( الاستثناء : ٣٣٥ إلى ٣٣٨ ).
٧٩٩- قوله تعالى : وما نرسل بالآيات إلا تخويفا المراد بالآيات هاهنا، قال المفسرون : الآيات التي تقع في الوجود على طول الأيام مثل : الخسف والكسوف والخسوف والريح العاصفة والزلزلة، ونحو ذلك، فإن الله تعالى يبعثها في الوجود ليخاف العباد ؛ فإنها علامات على قيام الساعة وما وعدوا به من خراب العالم فيخافون المآل وسوء الحال، فهو استثناء من الأسباب، أي : " لم يقع إرسال إلا لهذا السبب دون غيره " وهو استثناء متصل. ( الاستغناء : ٥٠٤ ).

١ - سورة طه: ٩٦..
٢ - سورة التوبة: ٤٦..
٣ - سورة الأنعام: ٥..
٤ - سورة العنكبوت: ٤٩..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير