المعنى الإجمالي :
هذه الآيات تعود على بدء في تسفيه آراء المشركين، الذين كانوا يعبدون الملائكة والجن والمسيح وعزيرا ؛ إذ رد عليهم بأن من تدعونهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة ؛ لتتقربوا إليه، فيرجون رحمته ويخافون عذابه. ثم بين أن قرى الكافرين صائرة إما إلى الفناء والهلاك بعذاب الاستئصال، وإما بعذاب دون ذلك من قتل كبرائها وتسليط المسلمين عليهم بالسبي واغتنام الأموال وأخذ الجزية ثم أردف ذلك ببيان : أن ما منعه من إرسال الآيات التي طلب مثلها الأولون كقولهم : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا... الآيات. إلا أنه لو جاء بها ولم يؤمنوا ؛ لأصابهم عذاب الاستئصال كما أصاب من قبلهم، أو لم ينظروا إلى ما أصاب ثمود حين كذبوا بآيات ربهم وعقروا الناقة ؟ ! ثم قفا على ذلك بأن الله حافظه من قومه، وأنه سينصره ويؤيده، ثم أتبع ذلك، فإن أمر الإسراء كان فتنة للناس وامتحانا لإيمانهم.
المفردات :
الآيات : هي ما اقترحته قريش من جعل الصفا ذهبا.
مبصرة : بينة جعلتهم ذوي بصائر.
فظلموا بها : فكفروا بها وجحدوا.
التفسير :
وقد كانت الخوارق تصاحب الرسالات ؛ لتصديق الرسل وتخويف الناس من عاقبة التكذيب وهي الهلاك بالعذاب، فاقترحت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم بعض الآيات والمعجزات فأجابهم الله بقوله :
٥٩- وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون...
أي : أنه تعالى لو أظهر تلك المعجزات القاهرة ثم لم يؤمنوا بها بل بقوا مصرين على كفرهم ؛ لاستحقوا عذاب الاستئصال كما هي سنتنا في الأمم السابقة كعاد وثمود، وقد قضى الله ألا يستأصل كفار هذه الأمة ؛ لأن منهم من يؤمن أو يلد من يؤمن.
ولأن الله شاء أن تكون معجزة الإسلام هي القرآن وهو كتاب يرسم منهجا كاملا للحياة ويخاطب الفكر والقلب ويبقى مفتوحا للأجيال المتتابعة تقرؤه وتؤمن به إلى يوم القيامة، أما الخوارق المادية فهي تخاطب جيلا واحدا من الناس، وتقتصر على من يشاهدها من هذا الجيل.
والخلاصة : أنه ما منعنا من إرسال الآيات التي سألوها إلا تكذيب الأولين بمثلها، فإن أرسلناها وكذب هؤلاء بها ؛ عوجلوا ولم يمهلوا.
روى الإمام أحمد١ عن ابن عباس قال : سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحى الجبال عنهم فيزرعوا. فقيل له : إن شئت أن نستأني بهم، لعلنا نجتبي منهم، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك من قبلهم.
قال : بل نستأني بهم فأنزل الله : وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة...
وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ولا نرسل بالآيات إلا تخويفا .
أي : وقد سألت ثمود من قبل قومك : الآيات فآتيناها ما سألت، وجعلنا لها الناقة حجة واضحة، دالة على وحدانية من خلقها، فكفروا بها، ومنعوها شربها وقتلوها، فأبادهم الله وانتقم منهم.
وما كانت الآيات إلا إنذارا وتخويفا بحتمية الهلاك بعد مجيء الآيات.
هذه التجارب البشرية، اقتضت أن تجيء الرسالة الأخيرة غير مصحوبة بالخوارق ؛ لأنها رسالة الأجيال المقبلة جميعها، لا رسالة جيل واحد يراها، ولأنها رسالة الرشد البشري، تخاطب مدارك الإنسان جيلا بعد جيل، وتحترم إدراكه الذي تتميز به بشريته، والذي من أجله كرمه الله على كثير من خلقه.
أما الخوارق التي وقعت للرسول صلى الله عليه وسلم وأولها : خارقة الإسراء والمعراج، فلم تتخذ معجزة مصدقة للرسالة إنما جعلت فتنة للناس وابتلاء.
تفسير القرآن الكريم
شحاته