التكريم الرباني للنوع الإنساني
" ولقد كرمنا بني آدم، و حملناهم في البر والبحر و رزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ".
( سورة الإسراء الآية : ٧١ )
اللغة والتراكيب من معاني الكرم
( كرمنا ) : الكرم ضد اللؤم و يوصف به الشيء لشرفه في ذاته بكمال صفاته، أو لحسن أفعاله، وما يصدر عنه من النفع لغيره.
فيقال : فرس كريم، وشجرة كريمة، و أرض كريمة، إذا أحسنت هذه الأشياء في ذواتها، وكملت فيها صفات أنواعها.
ويقال : نفس كريمة إذا كملت بمحاسن الأخلاق التي بها كمال النفوس.
وقالت بلقيس في كتاب سليمان عليه السلام :" إني ألقي إلي كتاب كريم " (١) لأنه كان على أكمل ما تكون عليه الكتب من بيان اسم مرسله، وذكر اسم الله تعالى في أوله، وختمه على ما فيه.
هذا كله من كرم الذات بما كمل فيها من صفات.
ووصف جبريل عيه السلام بأنه رسول كريم(٢)لشرف ذاته الملكية، وحسن أفعاله بما كان على يده من نفع للخلق ؛ بتبليغ الوحي والهدي.
وهذا من كرم الذات و الأفعال وهو الكرم الكامل الذي يكون بشرف الذات ونفع الأفعال ويقال كرم الشيء بضم الراء لازما، و يتعدى بالهمز والتضعيف، فيقال أكرمته : أكرمته، وكرمته بمعنى واحد : أي فعلت له فعلا فيه رفعة له ومنفعة.
كرمنا بني آدم أي فعلنا لهم ما فيه رفعتهم و منفعتهم، من إنعاماتنا عليهم.
و ( حملناهم ) من الحمل بمعنى الرفع أي أركبناهم و رفعناهم على المركوبات مثل قوله تعالى :
" ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم، قلت لا أجد ما أحملكم عليه " (٣)
" وحملناه على ذات ألواح ودسر " (٤). ذرية من حملنا مع نوح "
(٥).
( والطيبات ) ما يطيب للأكل والشرب مما يلذ في الطعم، و تحمد عاقبته فلا يكون الطيب إلا حلالا ؛ لأن غير الحلال – و إن لذ طعمه في بعض أقسامه – فإنه لا تحمد عاقبته ؛ بما فيه من إثم و تبعة، وما يكون فيه من ضرر.
و ( فضلناهم ) من الفضل بمعنى الزيادة، أي صيرناهم ذوي فضل و زيادة في الكرامة، كما تقول : فضلت زيدا على عمر في العطاء، أي صيرته ذا فضل و زيادة عليه فيه.
و متعلق حملناهم محذوف، لقصد التعميم المناسب لمقام الامتنان بالتكريم مع الاختصار. تقديره : على كل ما يصلح لحملهم عليه.
المعنى :
يقول تعالى : و لقد أنعمنا على بني آدم نعما عظيمة كثيرة :
في خلقتهم من تركيب أبدانهم، وأرواحهم و عقولهم.
و في حياتهم بما مكناهم منه من أسباب السلطان على غيرهم من الخلق من عالم الجماد والنبات والحيوان.
و تسخير هذه العوالم لهم يحصلون منها منافعهم، فأوصلنا إليهم هذه النعم، و كرمناهم بها، فنفعناهم ورفعنا أقدارهم.
و من هذا التكريم و الإنعام الذي فيه المنفعة، وفيه الرفعة : أننا سخرنا لهم ما يركبونه في البر والبحر، ومكناهم من أسباب تسييره و الانتفاع به.
و أننا بثثنا لهم على وجه الأرض أنواعا من المآكل و المشارب اللذيذة المباحة، من النبات والحيوان والجماد، فخلقناها صالحة لغذائهم، ومكناهم من أسباب تحصيلها و إصلاحها، والتفنن فيها.
فكان لهم بذلك كله زيادة بينة من نعمتنا، وفضل محقق على كثير من مخلوقاتنا.
مسائل :
المسألة الأولى :
تقسيم التكريم
تكريم الله تعالى لخلقه قسمان : أحدهما عام، و الآخر خاص :
فأما العام، فهو إخراجه لهم من العدم إلى الوجود، وإعطاؤه لكل شيء منهم، خلقته اللائقة به من تركب أجزاء ذاته، وتعدل مادة تكوينية، ومن أعضائه – إذا كان من ذوي الأعضاء – التي يحتاج إليها في حياته، لجلب ما ينفعه و دفع ما يضره، و هدايته و إلهامه ما خلق، صالح لذلك إلى استعمال تلك الأعضاء، و طرق الجلب والدفع بها.
و أما الخاص، فهو تكريمه، وإنعامه على عباده المؤمنين بنعمة الإسلام في الدنيا، و بدار السلام في الأخرى.
و التكريم المذكور في هذه الآية من القسم الأول العام كما سيتبين في المسألة الرابعة.
المسألة الثانية :
تفاوت التكريم
جميع المخلوقات التي أخرجها الله تعالى من الوجود إلى العدم و إن كانت متساوية في أصل التكريم العام، فإنها متفاوتة فيه بحسب تفاوتها في شرف الذات، و كمال الخلقة :
فعالم النبات أكثر حظا في التكريم من عالم الجماد، وعالم الحيوان، أكثر حظا منها، ونوع الإنسان أكثر حظا في التكريم العام من جميع الحيوانات.
المسألة الثالثة :
تمييز الإنسان في التكريم
عظم حظ الإنسان من هذا التكريم.
من جهة ذاته : حسن صورته و اعتدال مزاجه.
ومن جهة روحه ؛ أنها من العالم النوراني العلوي، وبأنها مع اتصالها بالبدن قابلة للتجلي بأكمل الصفات، و أطهر الأخلاق.
و من جهة عقله الذي به أدرك الحقائق، و حصل المعارف، وعرف الأسباب و مسبباتها، ووجوه ارتباطاتها و اتصالاتها، ونسبة بعضها إلى بعض ؛ فملك، و ساد، و استفاد، و أفاد.
المسألة الرابعة
عموم التكريم :
هذا التكريم المذكور في المسألة السابقة هو عام للنوع الإنساني من حيث هو إنسان لا فرق فيه بين من آمن و من كفر ؛ لأنه راجع للخلقة الإنسانية التي يتساوى فيها الجميع، و التمكين من أسباب المنافع الذي هو ثابت لجميع النوع بما عنده من عقل وتفكير.
وهذا هو مقتضى العموم(٦) المستفاد م لفظ :" بني آدم ". ومثل هذا التكريم في العموم : الحمل في البر، والبحر، وارزق، لأنهما من جملة التكريم كما تقدم في فصل بيان المعنى.
المسألة الخامسة :
التفضيل :
تفضيل الله تعالى لمن يشاء من خلقه قسمان :
تفضيل في الخلقة، و تفضيل في الجزاء والمثوبة.
فمن الأول : تفضيل بني آدم المذكور في هذه الآية بما كرموا به، وأعطوه في خلقتهم من الوجوه المتقدمة زائد على كثير من مخلوقات الله، مما كانت لهم به الرفعة والمنفعة لجميع نوعهم على العموم.
و من الثاني : تفضيل المجاهدين على القاعدين في قوله تعالى :" وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ". (٧)
المسألة السادسة :
اقتضى قوله تعالى :" وفضلناكم على كثير " : أي بما كرمناهم به في خلقهم أنهم لم يفضلوا على جميع مخلوقات الله، وأن بعض المخلوقات أفضل منهم في الخلقة، وأكثر منهم كرما في الجنس. فمن هذا المخلوق المفضل عليهم ؟. وهذا ما نبينه في المسألة التالية.
المسألة السابعة :
تفضيل ترتيب المخلوقات :
إذا نظرنا في عوالم المخلوقات فإننا نجدها منقسمة إلى قسمين :
قسم مشاهد و قسم غير مشاهد، علمناه بالوحي الصادق من الكتاب والسنة.
فالقسم الأول : هو عالم الجماد، وعالم النبات، وعالم الحيوان. وهذا القسم كله قد فضل عليه الإنسان بميزة عقله التي ساد بها الجميع و بغيرها مما تقدم.
و القسم الثاني : هو الملائكة والجن : فأما الجن : فالإنسان أشرف منهم خلقة، و أكرم عنصرا، فهم ظلمانيون خلقوا من النار. وهو ترابي وروحه من عالم النور الذي هو عالم الملائكة ؛ فلذا كان أهلا لاصطفاء الرسل منه كما اصطيفت من الملائكة و لم يصطف من الجن رسول ولا نبي.
و أما الملائكة فخلقتهم أشرف من خلقة الإنسان و أكرم، لأنهم خلقوا من نور محض، منزهة أجسامهم النورانية عن كثافة الأجساد الإنسانية الترابية، و أخلاطها و ظلمتها، فلم يفضل عليهم النوع الإنساني في الخلقة، بل فضلوا عليه، فهم غير الكثير الذي فضل عليه الإنسان.
المسالة الثامنة :
الملائكة وبنوا آدم :
المفاضلة تقع بين الملائكة وبني آدم على وجهين "
إما من جهة الخلقة و إما من جهة المثوبة :
فأما من جهة الخلقة فقد عرفنا في المسألة المتقدمة، أن الملائكة أفضل، والآية ظاهرة في ذلك ظهورا بينا. و أما من جهة الأجر والمثوبة فهو خارج عن معنى الآية و موضوعها.
نبينا أفضل من الملائكة :
و أفضل الخلق – صلى الله عليه و آله وسلم – أفضل منهم قطعا.
خلاف نخوض فيه ولا نخوض :
و في المفاضلة بين الأنبياء و الملائكة في الأجر والثواب، خلاف كبير و تفويض أمر ذلك إلى الله تعالى – في مقام التذكير – أسلم.
سلوك المكرمين :
حكمة التكريم :
امتن الله تعالى على بني آدم بهذا التكريم لهم في شرف الخلقة و رفعتها، وكثرة المنفعة وتيسير أسبابها – تذكيرا لهم بنعمته ليشكروها، فيزيدهم منها(٨) وتعريفا لهم بشرف أنفسهم ليقدروها، فينتفعوا بها.
فهذان الأمران هما الحكمة المقصودة بهذا الامتنان. فلنتكلم عليها في الفصلين التاليين.
شكر العبد لنعمة ربه :
قد ابتدأنا بهذه الكرامة في الخلقة بدون سعي منا و لا عمل، و هو المبتدئ بالنعم قبل استحقاقها ؛ فمن كبر هذه الكرامة و شكرها، كان من المكرمين.
و من لم يعرف قيمتها وكفرها كان من المهانين. " ومن يهن الله فما له من مكرم " (٩)
فلنقابل هذا التكريم في الخلقة بالشكر الجزيل : بأن نعقد قلوبنا على تعظيم النعمة به و نطلق ألسنتنا بالاعتراف و الثناء على مسديه، ونستعمل هذه الخلقة الكريمة في مراضي ربنا وطاعته، متوسلين بشكر ما ابتدأنا به خالقنا من تكريم الخلقة، إلى ما وعد به الشاكرين من تكريم الجزاء و المثوبة بأنواع ألطافه و أنعامه. و جزيل فضله و إكرامه فسبحانه و تعالى. ذو الجلال والإكرام.
معرفة العبد لقدر نفسه :
فلنكرم أنفسنا :
قد استودعنا خالقنا خلقة كريمة، فعلينا أن نعرف قيمتها، وأن نقدرها.
و حق على من كرمه ربه أن يكرم نفسه :
أ- فعلينا أن نكرم أنفسنا بتكريم أرواحنا، بتنزيهها عن مساويء الأخلاق، وتحليتها بمكارمها.
ب – و تكريم عقولنا، بتنزيهها عن الأوهام، والشكوك، والخرافات، و الضلالات، وربطها على العموم والمعارف و صحيح الاعتقادات.
ج – و تكريم جوارحنا بتنزيهها عن المعاصي، وتجميلها بالطاعات ؛ فتحرى بأقوالنا و أفعالنا أكرم الأقوال، و أكرم الأعمال. و نترفع عن جميع الرذائل و الدنايا و نتباعد عن كل مواطن السوء والسفالة.
د – و نحفظ كرامتنا و شرفنا أمام الله والناس. ونجتهد أن لا يمسها سوء لا منا، و لا من غيرنا.
فإذا قدرنا – هكذا – أنفسنا، وشكرنا – كما تقدم – ربنا، بلغنا – بإذن اله تعالى – أبعد الغايات من التكريم والتفضيل.
يسرنا الله، و المسلمين أجمعين لما يسر له عباده المكرمين المفضلين برحمتك يا أرحم الراحمين.
٢ في قوله تعالى :" إنه لقول رسول كريم " ١٩ التكوير.
.
٣ سورة التوبة، الآية ٩٢.
٤ سورة القمر الآية ١٣.
٥ الإسراء الآية ٣..
٦ العموم لغة الشمول، و اصطلاحا لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر دفعة واحدة.
٧ سورة النساء، الآية ٩٥..
٨ " لن شكرتم لأزيدنكم "..
٩ سورة الحج، الآية ١٨،.
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي