ﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

المعنى الإجمالي :
بعد أن ذكر في الآية السابقة : أنه هو الحافظ الكالئ للعبد المؤمن من غواية إبليس، قفا على ذلك بذكر بعض نعمه تعالى في البر والبحر على الإنسان ؛ فهو الذي يجري له الفلك في البحر ؛ لتنقل له أرزاقه وأقواته من المسافات البعيدة، لكنه مع هذا هو كفور للنعمة، إذا مسه الضر دعا ربه، وإذا أمن أعرض عنه وعبد الأصنام والأوثان، فهل يؤمن أن يخسف به الأرض، أو يرسل عليه حاصبا من الريح في البر، أو قاصفا من الريح في البحر فيغرقه بكفره، وهل نسي أنه فضله على جميع الخلق، وبسط له الرزق، أفلا يفرده بالعبادة ويخبت له كفاء تلك النعم المتتابعة عليه ؟
٧٠- ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا .
قال النيسابوري : وقد ذكر المفسرون في تكريمه وجوها منها : تعلم الكتابة ؛ فبها يقدر الإنسان على إبداع العلوم التي استنبطها هو أو غيره في الدفاتر، فتبقى على وجه الدهر مصونة عن الاندراس، محفوظة عن الانطماس : اقرأ وربّك الأكرم. الذي علّم بالقلم . ( العلق : ٤، ٣ ).
ومنها : الصورة الحسنة : وصوركم فأحسن صوركم ، ومنها : القامة المعتدلة : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ، ومنها : أن كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم.
يحكى عن الرشيد : أنه حضر إليه طعام فأحضرت الملاعق وعنده أبو يوسف، فقال له : جاء في تفسير جدك ابن عباس : أن هذا التكريم هو أنه جعل لهم أصابع يأكلون بها ؛ فرد الملاعق وأكل بأصابعه، ومنها : ما قال الضحاك : أنه النطق والتمييز فإن الإنسان يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه بخلاف سائر الحيوانات، ويدخل الأخرس في هذا الوصف لأنه يعرف بالإشارة أو الكتابة، ويخرج الببغاء ونحوه ؛ لأنه لا يقدر على تعريف جميع الأحوال على الكمال، ومنها : تسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم فالأرض كالأم الحاضنة : منها خلقناكم وفيها نعيدكم وهي لهم فرش ومهاد، والماء ينتفعون به في الشرب والزراعة والعمارة، وماء البحر ينتفع به في التجارة استخراج الحلي منها، والهواء مادة الحياة ولولا هبوب الرياح ؛ لاستولى النتن على المعمورة، والنار ينتفع بها في الطبخ والإنضاج ودفع البرد وغير ذلك، وانتفاعهم بالمركبات المعدنية والحيوانية ظاهر، وبالجملة فهذا العالم بأسره كقرية معمورة والإنسان فيه كالرئيس المخدوم والملك المطاع فأي تكريم يكون أزيد من هذا١.
ورزقناهم من الطيبات . والإنسان ينسى ما رزقه الله من الطيبات بطول الألفة، فلا يذكر الكثير من هذه الطيبات التي رزقها إلا حين يحرم منها، فعندئذ يعرف قيمة ما يستمتع به، ولكنه سرعان ما يعود فينسى.. هذه الشمس، هذا الهواء، هذا الماء، هذه الصحة، هذه القدرة على الحركة، هذه الحواس، هذا العقل، هذه المطاعم والمشارب والمشاهد، هذا الكون الطويل العريض الذي استخلف فيه، وفيه من الطيبات ما لا يحصيه.
وفضلناكم على كثير ممن خلقنا تفضيلا . أي : فضلناهم على كثير من المخلوقات بالعقل والتفكير تفضيلا عظيما.
ومن التكريم : أن يكون الإنسان قيما على نفسه، محتملا تبعة اتجاهه وعمله، فهذه هي الصفة الأولى التي بها كان الإنسان إنسانا. وهي حرية الاتجاه وفردية التبعة، وبها استخلف في دار العمل، فمن العدل أن يلقى جزاء اتجاهه وثمرة عمله في دار الحساب٢.

١ - تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري ١٥/٦٤..
٢ - في ظلال القرآن بقلم: سيد قطب ١٥/٥٥..

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

شحاته

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير