خرج البخاري عن ابن مسعود قال : كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث المدينة وهو يتوكأ على عسيب معه فمر على نفر من اليهود فقال بعضهم لبعض سلوه عن الروح وقال بعضهم لا تسألوه لا يجيء إلا بشيء تكرهونه فقال بعضهم لنسألنه فقام رجل منهم فقال يا أبا القاسم ما الروح ؟ فسكت فقلت : إنه يوحى إليه فقمت فلما انجلى عنه الوحي قال :
ويسألونك عن الروح أي الذي يحيى به بدن الإنسان ويدبره قل الروح من أمر ربي أي من الإبداعيات الكائنة بقوله كن من غير مادة ونولد عن أصل كأعضاء الجسد ولما كان هذا غاية البيان باللسان على قياس فهم السائلين بحيث يحصل به امتياز الروح عن سائر الماديات ولم يكن مفيدا العلم بحقيقته المسؤلة بقولهم وما الروح اعتذر عنه وقال وما أوتيتم أيها السائلون من العلم بالأشياء الكائنة إلا قليلا أي ما تستفيدونه بتوسط حواسكم فإن اكتساب العقل للمعارف النظرية إنما هو من الضروريات المستفادة من إحساس الجزئيات ولذلك قيل من فقد حسا فقد فقد علما ولعل أكثر الأشياء لا يدركها الحس فلا يحصل عنده ذاتياتها فلا يدرك بعضها إلا بعوارض تميزه عما يلتبس به والألفاظ إنما وضعت بإزاء أشياء محسوسة أو معقولة منتهية اكتسابها إلى أشياء محسوسة ولذلك أقتصر موسى عليه السلام في جواب قول فرعون : وما رب العالمين ١ بذكر بعض صفاته، وهذه الآية لا يقتضي نفي العلم بالروح للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحاب البصائر من أتباعه، فإن طور علمهم وراء طور علم العالمين بتوسط الحواس والاكتساب فإنهم يلهمون من الله تعالى حقائق الأشياء بلا توسط الحواس والاكتساب، فإن لقلوبهم أسماع يسمعون بها ما لا يسمعه الآذان وأبصار يبصرون بها ما لا يبصره العيون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به )٢ الحديث، وقد أدرك أصحاب البصائر حقيقة الروح وظهر لهم أن لكل إنسان خمسة من الأرواح العلوية، والروح السفلى المسمى بالنفس سادسها، والخمسة القلب والروح والسر والخفي والأخفى، يمتاز عندهم كل منها عن الآخر ذاتا وصفاتا، ويعرفونها كما يعرفون أبناءهم، وقد يشتبه عند بعضهم بعضها ببعض، بل قد تشتبه هي لأجل لطافتها بمراتب الوجوب، حتى قال بعضهم عبدت الروح ثلاثين سنة ثم أظهر الله تعالى حقيقته وإمكانه وحدوثه عليه، فقال :{ لا أحب الآفلين ٣ فإن قيل أخرج ابن مردويه عن عكرمة إنه صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا نحن مختصون بهذا الخطاب قال بل نحن وأنتم فقالوا ما أعجب شأنك ساعة تقول : من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ٤ وساعة تقول هذا، فنزلت : ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ٥ الآية وهذه الرواية تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا لم يكن عارفا بحقيقة الروح، قلنا لو صح هذه الرواية فالمعنى أن الخطاب بقوله : وما أوتيتم من العلم إلا قليلا يعم كلا الفريقين فلا شك أن علوم الأنبياء والملائكة وسائر الخلائق قليلة في جنب علم الله تعالى كما يدل عليه قوله تعالى : ولو أنما في الأرض من شجرة ٦ الآية، ولا منافاة بين كون الحكمة الموهوبة للأنبياء وكمل إتباعهم ومنها العلم بحقيقة الروح وغير ذلك خيرا كثيرا في نفسه متكفلا لكمالات الإنسان ظاهرا وباطنا وبين كونها قليلا بالنسبة إلى علم الله الغير المتناهي.
فائدة : ما ذكرنا من القصة يدل على كون الآية مدنية، وقال البغوي روي عن ابن عباس أنها نزلت بمكة حيث قال : إن قريشا اجتمعوا، وقالوا : إن محمدا أنشأ فينا بالأمانة والصدق وما اتهمناه بكذب وقد ادعى ما ادعى، فابعثوا نفرا إلى اليهود بالمدينة واسألوهم عنه فإنهم أهل كتاب، فبعثوا جماعة إليهم فقالت اليهود سلوه عن ثلاثة أشياء فإن أجاب عن كلها أو لم يجب عن شيء منها فليس بنبي، وإن أجاب عن الاثنين ولم يجب عن الواحد فهو نبي، فسلوه عن فتية قد أووا في الزمن الأول ما كان من أمرهم فإنه كان لهم حديث عجيب، وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها ما خبره، وعن الروح. فسألوه فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : أخبركم بما سألتم غدا ولم يقل إن شاء الله فلبث الوحي قال مجاهد اثنتا عشرة ليلة، وقيل : خمس عشرة، وقال عكرمة أربعين يوما وأهل مكة يقولون : وعدنا محمد غدا وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء، حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكث الوحي وشق عليه ما يقول أهل مكة، إذ نزل جبرئيل بقوله تعالى : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا٢٣ إلا أن يشاء الله ٧ ونزل في الفتية : أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا٩ ٨ ونزل فيمن بلغ الشرق والغرب : ويسألونك عن ذي القرنين ٩ ونزل في الروح : قل الروح من أمر ربي ١٠ وروى الترمذي هذه القصة مختصرا عنه قال ابن كثير يجمع بين الحديثين بتعدد النزول، وكذا قال الحافظ ابن حجر وزاد أو يحمل سكوته حين سؤال اليهود على توقع مزيد بيان في ذلك، وإلا فما في الصحيح أصح وأيضا يرجح ما في الصحيح بأنه رواية حاضر القصة بخلاف ابن عباس، وقال البغوى وروي عن ابن عباس أن الروح الذي وقع السؤال عنه هو جبرئيل وهو قول الحسن وقتادة قلت : وكذا أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الضحاك، وقال البغوي وروي عن علي عليه السلام أن الروح هو ملك له سبعون ألف وجه لكل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله تعالى بكلها، وقال مجاهد هو خلق على صورة ابن ادم لهم أيد وأرجل ورؤوس وليسوا بملائكة ولا ناس يأكلون الطعام، وقال سعيد بن جبير لم يخلق الله خلقا أعظم من الروح غير العرش لو شاء أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع ومن فيها بلقمة واحدة لفعل، صورة خلقه على صورة الملائكة وصورة وجهه على صورة وجه الآدميين، يقوم يوم القيامة على يمين العرش وهو أقرب الخلق إلى الله عز وجل عند الحجب السبعين، وأقرب إلى الله يوم القيامة وهو يشفع لأهل التوحيد لولا أن بينه وبين الملائكة سترا من نور لاحترق أهل السماوات من نوره، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال : الروح أعظم خلقا من الملائكة، ولا ينزل ملك إلا ومعه روح، وقيل : الروح القرآن ومعني قوله تعالى من أمر ربي إنه من وحي الله وقيل المراد عيسى فإنه روح الله وكلمته، ومعنى الآية إنه ليس كما يقول اليهود حيث بهتوا أمه، ولا كما يقوله النصارى أنه ابن الله، بل هو مخلوق من أمر الله بكلمة كن من غير أب.
ولما ذكر الله سبحانه أن علم العالمين قليل بالنسبة إلى علمه تعالى، نبه على نعمة الوحي وأنه أوتي من العلوم ما لم يؤت غيره حثا بالصبر على أذى الكفار بقوله :
ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك
٢ سورة الشعراء، الآية: ٢٣..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: التواضع (٦٥٠٢)..
٤ سورة الأنعام، الآية: ٧٦..
٥ سورة البقرة، الآية: ٢٦٩..
٦ سورة لقمان، الآية: ٢٧..
٧ سورة الكهف، الآية: ٢٣ ــ ٢٤..
٨ سورة الكهف، الآية: ٩..
٩ سورة الكهف، الآية: ٨٣..
١٠ سورة الإسراء، الآية: ٨٥..
التفسير المظهري
المظهري