ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا [ الإسراء : ٨٥ ].
تفسير المفردات : في المراد من الروح في هذه الآية ثلاثة آراء :
( ١ ) القرآن وهو مناسب لما تقدمه من قوله : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة [ الإسراء : ٨٢ ] ولما بعده من قوله : ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك [ الإسراء : ٨٦ ] ولأنه سمي به في مواضع متعددة من القرآن كقوله : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا [ الشورى : ٥٢ ] وقوله : ينزل الملائكة بالروح من أمره [ النحل : ٢ ] ولأن به تحصل حياة الأرواح والعقول، إذ به تحصل معرفة الله وملائكته وكتبه واليوم الآخر، ولا حياة للأرواح إلا بمثل هذه المعارف.
( ٢ ) جبريل عليه السلام وهو قول الحسن وقتادة، وقد سمي جبريل في مواضع عدة من القرآن كقوله : نزل به الروح الأمين ١٩٣ على قلبك [ الشعراء : ١٩٣ -١٩٤ ] وقوله : فأرسلنا إليها روحنا [ مريم : ١٧ ] ويؤيد هذا أنه قال في هذه الآية : قل الروح من أمر ربي [ الإسراء : ٨٥ ] وقال جبريل : وما نتنزل إلا بأمر ربك [ مريم : ٦٤ ] فهم قد سألوا الرسول كيف جبريل في نفسه وكيف يقوم بتبليغ الوحي.
( ٣ ) الروح الذي يحيا به بدن الإنسان – وهذا قول الجمهور- ويكون ذكر الآية بين ما قبلها وما بعدها اعتراضا للدلالة على خسارة الظالمين وضلالهم، وأنهم مشتغلون عن تدبر الكتاب والانتفاع به إلى التعنت بسؤالهم عما اقتضت الحكمة سد الطريق على معرفته، ويؤيد هذا ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفر من اليهود، فقال بعضهم : سلوه عن الروح، وقال بعضهم : لا تسألوه يسمعكم ما تكرهون، فقاموا إليه وقالوا : يا أبا القاسم حدثنا عن الروح، فقام ساعة ينظر، فعرفت أنه يوحى إليه، ثم قال : ويسألونك عن الروح الآية.
الإيضاح : ويسألونك عن الروح الذي يحيا به البدن، أقديم هو أم حادث ؟
قل الروح من أمر ربي الأمر واحد الأمور : أي الروح شأن من شؤونه تعالى، حدث بتكوينه وإبداعه من غير مادة، وقد استأثر بعلمه، لا يعلمه إلا هو، لأنكم لا تعلمون إلا ما تراه حواسكم وتتصرف فيه عقولكم، ولا تعلمون من المادة إلا بعض أوصافها كالألوان والحركات للبصر، والأصوات للسمع، والطعوم للذوق، والمشمومات للشم، والحرارة والبرودة للمس، فلا يتسنى لكم إدراك ما هو غير مادي كالروح.
وللعلماء في حقيقة الروح أقوال كثيرة أولاها بالاعتبار قولان :
( ١ ) إن الروح جسم نوراني حيّ متحرك من العالم العلوي، مخالف بطبعه لهذا الجسم المحسوس، سار فيه سريان الماء في الورد، والدّهن في الزيتون، والنار في الفحم، لا يقبل التبدل والتفرق والتمزق، يفيد الجسم المحسوس الحياة وتوابعها ما دام صالحا لقبول الفيض وعدم حدوث ما يمنع السريان، وإلا حدث الموت، واختاره الرازي وابن القيم في كتاب الرّوح.
( ٢ ) إنه ليس بجسم ولا جسماني، متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف، وإلى هذا ذهب حجة الإسلام الغزالي وأبو القاسم الراغب الأصفهاني.
ثم أكد عدم علم أحد بها بقوله :
وما أوتيتم من العلم إلا قليل أي وما أوتيتم من العلم إلا علما قليلا تستفيدونه من طرق الحس. فعلومنا ومعارفنا النظرية طريق حصولها الحواس، ومن ثم قالوا : من فقد حسا فقد علما.
روي أنه لما نزلت الآية قالت اليهود : أوتينا علما كثيرا، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا، فنزل قوله : قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا [ الكهف : ١٠٩ ].
وخلاصة ذلك : إنه ما أطلعكم من علمه إلا على قليل، والذي تسألون عنه من أمر الروح مما استأثر بعلمه تبارك وتعالى ولم يطلعكم عليه.
تفسير المراغي
المراغي