ﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺ

عند البلاء، ألا ترى أنه قال: فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا، أي: بالمؤمن الذي لا يعرض عند النعمة ولا ييأس عند المحنة.
٨٥ - قوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ الآية. قال ابن عباس في رواية عطاء: اجتمعت قريش فقال بعضهم لبعض: والله ما كان محمد بكذاب، ولقد نشأ فينا بالصدق والأمانة، فإن شئتم فأرسلوا منكم جماعة إلى يهود يثرب حتى يسألوهم عنه، فخرج منهم طائفة حتى لقوا أحبار اليهود فسألوهم عنه، فقال لهم اليهود: سلوه (١) عن ثلاثة، فإن أخبركم عن اثنين وأمسك عن الثالثة فهو نبي؛ سلوه عن فتية فُقِدوا، وسلوه عن ذي القرنين، وسلوه عن الروح، فقدم النفر من قريش إلى مكة ثم اجتمعوا فسألوا النبيّ -صلى الله عليه وسلم- فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "غدًا أخبركم" ولم يستثن، فأبطأ عنه الوحي أربعين يومًا لِمَا أراد الله، ثم نزل الوحي عليه بعد أربعين يومًا: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف: ٢٣، ٢٤] ثم فَسَّر لهم أمر الفية الذين فُقِدوا في سورة الكهف، وفَسَّر لهم قصة ذي القرنين، وأبهم قصة الروح؛ وذلك أنه ليس في التوراة قصته ولا تفسيره إلا ذكر اسمه الروح، وأنزل قوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ الآية (٢)، فعلى هذا القول سألته قريش عن الروح، ونحو هذا روى عكرمة

(١) في (أ)، (ش)، (د): (سلوهم)، والمثبت من (ع) وهامش نسخة (أ) هو الصحيح.
(٢) ورد في "السيرة" لابن هشام ١/ ٣٢١، وأخرجه "الطبري" ١٥/ ١٥٥ مطولًا من طريق عكرمة، والبيهقي في "الدلائل" ٢/ ٢٧٠ من طريق سعيد بن جبير، وورد في "دلائل النبوة" للأصبهاني ص ٢١٦، وأورده السيوطي في "الدر" ٤/ ٣٦١ وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وفي "الباب النقول" ١٤٣، والحديث ضعيف بسبب الجهالة والاضطراب؛ إذ رواه ابن إسحاق في رواية الطبري عن رجل من أهل مصر، وفي رواية البيهقي عن رجل من أهل مكة، لكن في سورة الكهف آيات تشير إلى حدوث الأسئلة.

صفحة رقم 460

عن ابن عباس (١)
وقال ابن مسعود: سألته اليهود عن الروح وذَكر في (٢) ذلك قصة (٣)، ونحو هذا قال مجاهد (٤).

(١) أخرجه أحمد ١/ ٢٥٥، والترمذي (٣١٤١) في التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل، وقال حسن صحيح، وابن أبي عاصم في السنة ١/ ٢٦٤، وأبو يعلى في "مسنده" ٤/ ٣٨١، وأبو الشيخ في "العظمة" ص ١٩٢، والحاكم ٢/ ٥٣١ وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، والبيهقي في "الدلائل" ٢/ ٢٦٩، وأورده المصنف في "أسباب النزول" ص ٢٩٩.
(٢) في (أ)، (د): (وذكرو ذلك)، والمثبت من: (ش)، (ع).
(٣) ورد لهذه القصة عدة روايات، منها ما رواه الشيخان، البخاري (١٢٥) كتاب: العلم، باب قول الله تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، ومسلم (٢٧٩٤)، في الجنة والنار، باب سؤال اليهود النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الروح. عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: بينا أنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في حرث وهو متكئٌ على عسيب إذ مرّ اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال: ما رابكم إليه؟ [أي ما إربكم وحاجتكم إلى سؤاله] وقال بعضهم: لا يستقبلُكم بشيء تكرهونه، فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يردّ عليهم شيئًا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحيُ قال: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، أخرجه أحمد ١/ ٣٨٩، والبخاري (٤٧٢١) التفسير، الإسراء، ومسلم (٢٧٩٤) الموضع السابق، والترمذي (٣١٤١) في التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل، وابن أبي عاصم في "السنة" ١/ ٢٦٣، والنسائي في "تفسيره" ١/ ٦٧٠، و"الطبري" ١٥/ ١٥٥، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص ٤٥٩، وأبو نعيم في "الدلائل" ٢/ ٣٥٧، وورد في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٨٩، و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٨٢، و"الثعلبي" ٧/ ١١٩ ب، وأوردها المصنف في "أسباب النزول" ص ٢٩٩، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ٣٦١ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن حبان وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، وليس فيها؛ بل في "الأسماء والصفات".
(٤) "تفسير مجاهد" ١/ ٣٦٩، وأخرجه "الطبري" ١٥/ ١٥٦ من طريقين.

صفحة رقم 461

واختلفوا في الروح المسؤول عنه؛ فقال علي بن أبي طلحة: هو مَلَك (١)، وهو قول علي -رضي الله عنه- قال: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يُسَبّح الله -عز وجل- بتلك اللغات كلها، يخلق الله من كل تسبيحة ملكًا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة (٢)، ونحو هذا قال سعيد بن جبير، قال: ولم يخلق الله خلقاً أعظم من الروح غير العرش، لو شاء أن يبلع السموات السبع والأرضين السبع ومن فيها بلقمة واحدة لفعل، وهو المذكور في قوله -عز وجل-: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا (٣) [النبأ: ٣٨].
وقال الحسن وقتادة: هو جبريل (٤)، قال أبو إسحاق: ومن تأول ذلك

(١) أخرجه عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة "الطبري" ١٥/ ١٥٦، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص ٤٦٢.
(٢) أخرجه "الطبري" ١٥/ ١٥٦ بنصه، وابن الأنباري في "الأضداد" ص ٤٢٣، بنصه، وأبو الشيخ في "العظمة" ص ١٩٤، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص ٤٦٢، بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" ٧/ ١١٩ ب، بنصه، و"الماوردي" ٣/ ٢٦٩ - بنحوه، و"الطوسي" ٦/ ٥١٥، بنحوه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ٣٦١ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، والأثر ضعيف، لجهالة أحد الرواة، وهو شيخ أبي هران الذي لم يسم، حيث قال:... حدثني أبو هران يزيد بن سمرة القيساري عمن حدثه عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: الحديث. وقال ابن عطية: وما أظن القول يصحُّ عن علي -رضي الله عنه-، وقد ضعفه الفخر الرازي -كذلك- من عدة وجوه، وقال ابن كثير: وهذا أثر غريب عجيب. انظر: "تفسير ابن عطية" ٩/ ١٨١، و"الفخر الرازي" ٢١/ ٣٩، و"ابن كثير" ٣/ ٦٩.
(٣) ورد في "تفسير الثعلبي" ٧/ ١٢٠ أمطولاً، وانظر: "البغوي" ٥/ ١٢٥، و"الخازن" ٣/ ١٧٩، وقد ورد في هذا الأثر أشياء غيبية غريبة لا يصح الاقول بها إلا بخبر صحيح عن المعصوم، وهو ما لم أقف عليه، وحسبك لرده أن مصدره الثعلبي!
(٤) أخرجه "عبد الرزاق" ٢/ ٣٨٨ بلفظه عنهما، و"الطبري" ١٥/ ١٥٦ بلفظه عن =

صفحة رقم 462

فدليله قوله: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤]، وقال مجاهد: الروح: خَلْقٌ ليسوا بالملائكة على سورة بني آدم، يأكلون، ولهم أيد وأرجل ورؤوس (١).
وقال أبو صالح: يشبهون الناس، وليسوا بالناس (٢).
وقال قوم: هو القرآن (٣)، وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد، من أتاك بهذا القرآن، فبين الله أنه من عنده، فقال: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي قال أبو إسحاق: ودليل هذا القول قوله: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى: ٥٢]، وتأويل تسمية القرآن بالروح أن القرآن حياة القلوب

= قتادة، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٩٠، عن الحسن، و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٨٢، عنهما، و"الثعلبي" ٧/ ١١٩ ب، عنهما، ولا وجه البتة لتفسيره بجبريل هنا.
(١) أخرجه "الطبري" ٣٠/ ٢٣، بنحوه، وأبو الشيخ في "العظمة" ص ١٩٧، بنحوه، وورد بنحوه في: "تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٨٢، و"الثعلبي" ٧/ ١١٩ ب، انظر: "تفسير البغوي" ٥/ ١٢٥، قال الفخر الرازي -تعقيبًا على هذا القول والذي يليه-: ولم أجد في القرآن ولا في الأخبار الصحيحة شيئًا يمكن التمسك به في إثبات هذا القول، وأيضًا فهذا شيء مجهول فيبعد صرف هذا السؤال إليه. "تفسير الفخر الرازي" ٢١/ ٣٩.
(٢) أخرجه "الطبري" ٣٠/ ٢٣ بنصه، وأبو الشيخ في "العظمة" ص ١٩٥ بنصه، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص ٤٦٣، بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" ٧/ ١١٩ ب، بنحوه، وهو كسابقه.
(٣) أخرجه بلفظه "الطبري" ٣٠/ ٢٣، عن ابن زيد، وأبو الشيخ في "العظمة" ص ١٩٦، عن الضحاك، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٩٠، و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٨٢، و"هود الهواي" ٢/ ٤٤٠، عن الحسن، و"الثعلبي" ٧/ ١٢٠ أو"الماوردي" ٣/ ٢٦٩، عن الحسن، و"الطوسي" ٦/ ٥١٥، عن الحسن، وهو أيضًا بعيد هنا.

صفحة رقم 463

وحياة النفوس (١) فيما تصير إليه من الخير عند الله -عز وجل- (٢).
وقال آخرون: هو روح الحيوان (٣)، وهو الأظهر في الكلام الذي يسبق إلى الأفهام (٤)، ونذكر هاهنا الكلام في الروح واشتقاقه ومعناه وبالله التوفيق، الروح الذي يحيا به البدن يُذَكّر وُيؤَنث، وأكثر الناس على أن اشتقاقه من الريح، والريح في الأصل روح، والعرب تسمي النفخ والنفس الذي يخرج من الإنسان روحًا.
قال ذو الرُمَة:

فقلتُ له ارفعها إليك وأحْيِها برُوحك واجعله لها قِيتَةً قدْرا (٥)
(١) في (د): (النفس).
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٥٨، بنصه تقريبًا.
(٣) ورد في "تفسير الجصاص" ٣/ ٢٠٧، بلفظه، و"الثعلبي" ٧/ ١٢٠، بمعناه، و"الماوردي" ٣/ ٢٧٠، بلفظه، و"الطوسي" ٦/ ٥١٥، بلفظه.
(٤) وهذا هو القول المشهور والصحيح، وعليه أكثر المفسرين، ذكره البيهقي في "الأسماء والصفات" ص ٤٥٩، والسمعاني في "تفسيره" ٣/ ٢٧٤، وقال أبو حيان ٦/ ٧٥ هو قول الجمهور، وقد ذهب إليه: "الجصاص" ٣/ ٢٠٧، والطوسي ٥/ ٥١٥، والسمعاني ٣/ ٢٧٤، و"البغوي" ٥/ ١٢٦، و"الخازن" ٣/ ١٧٩، وابن حجر في "الفتح" ٨/ ٢٥٥ وقال: وجنح ابن القيم -في كتاب "الروح" ٢/ ٥٢٤ - إلى ترجيح أن المراد بالروح المسؤول عنها في الآية ما وقع في قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا [النبأ: ٣٨] قال: وأما أرواح بني آدم فلم يقع تسميتها في القرآن إلا نفسًا. ثم قال: ولا دلالة في ذلك لما رجحه، بل الراجح الأول، وأيده بما رواه "الطبري" ١٥/ ١٥٦، عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق العوفي في هذه أنهم سألوه عن الروح: وكيف يعذب الروح الذي في الجسد، وإنما الروح من الله؟ فنزلت الآية.
(٥) "ديوانه" ٣/ ١٤٢٩ برواية: (واقْتَتْهُ) بدل: (واجعله)، وورد في "تهذيب اللغة" (راح) ٢/ ١٣١٣ و"الأسماء والصفات" ص ٤٦١، و"الأساس" ١/ ٤٣٧٨، =

صفحة رقم 464

يذكر نارًا ناولها صاحبه، وقوله: (أحيها بروحك)، أي: بنفخك، وقد قال الله تعالى: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: ٢٩] وقال آخرون: سمي روحًا لأنه يهتز وينبسط وينتشر في جميع البدن، من قولهم: رجْلٌ أروح، ورِجلٌ روحاء، هي التي في صَدْرِ قدمها انبساط، وقَصْعَةٌ رَوْحَاءُ قريبة القَعْرِ منبسطة، وإناء أروح (١)، وسميت الخمر رَاحًا لاهتزاز البدن وخفته وانبساطه عند شربها (٢).
واختلفوا في ماهية (٣) الروح (٤)؛ فقال قوم: إن الروح هو الدم، ألا ترى أن من نزف دمه مات، والميت لا يفقد جِسْمُه إلا الدم (٥)، وزعمت

= و"اللسان" (روح) ٣/ ١٧٦٦، و"المفردات" ص ٦٨٧ بلا نسبة.
(ارفعها): أي ارفع النار، (اقتته): افتَعِلهُ من القوت، وقاته يقوته قُوتًا: أطعمه قُوتَه، وأقاته يُقِيتُهُ: جعل له ما يقوته، ويقال: ما له قوت ليلة، وقِيتُ ليلة، وقيتَةُ ليلة، نحوُ: الطعْمِ والطِّعْمَةِ.
(١) انظر: راح في "تهذيب اللغة" ٢/ ١٣١٣، و"المحيط في اللغة" ٣/ ١٩٨، و"مقاييس اللغة" ٢/ ٤٥٤، و"الصحاح" ١/ ٣٦٧، و"اللسان" ٣/ ١٧٦٦.
(٢) انظر: "التلخيص في معرفة أسماء الأشياء" ٢/ ٥٠٤.
(٣) في جميع النسخ: (مائية)، والصواب المثبت كما دلّ عليه التفصيل بعده.
(٤) ليت الواحدي -رحمه الله- لم يخض في هذا الموضوع الفلسفي الذي لا طائل من ورائه ولا يقوم عليه عمل، وبحث لا يستند إلى علم، لذلك كان الأولى، بل الواجب أن يفوض أمر ماهية الروح ومسكنه ومدخله ومخرجه -مما تكلم عنه- إلى الله تعالى، كما قال: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وما أحسن ما قاله ابن الجوزي، قال: وقد اختلف الناس في ماهية الروح.. ولا يُحتاج إلى ذكر اختلافهم؛ لأنه لا برهان على شيء من ذلك، وإنما هو شيء أخذوه عن الطب والفلاسفة، فأما السلف فإنهم أمسكوا عن ذلك، لقوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي انظر: "البغوي" ٥/ ١٢٦، و"ابن الجوزي" ٥/ ٨٣.
(٥) انظر: "تفسير البغوي" ٥/ ١٢٦، و"الخازن" ٣/ ١٧٩.

صفحة رقم 465

طائفة أن الروح استنشاق الهواء، ألا ترى أن المخنوق ومن مُنع عن استنشاق الهواء يموت (١).
وأخبرني العروضي عن الأزهري قال: سمعت المنذري يقول: سمعت أبا الهيثم يقول: الروح إنما هو النَّفَسُ الذي يتنفسه الإنسان، وهو جار في جميع الجسد، فإذا خرج لم يتنفس بعد خروجه، وإذا تَتَامَّ خروجه بقي بصره شاخصًا نحوه حتى يُغْمض، وهو بالفارسية جان (٢).
وزعم ابن الروندي (٣) أنه جسم لطيف أُسكن البدن (٤).
وقال عامة المعتزلة والنجارية (٥):

(١) انظر: "تفسير الخازن" ٣/ ١٧٩.
(٢) ورد في "تهذيب اللغة" (راح) ٢/ ١٣١٣، بنصه.
(٣) أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي، وقيل: الرِّيوَنْديّ، الزنديق الشهير، كان من متكلمي المعتزلة ثم تزندق واشهر بالإلحاد، وقيل: كان لا يستقر على مذهب، كان غاية في الذكاء ولم يك زكي النفس، صنف كتبًا كثيرة يطعن فيها على الإسلام، وألَّف لليهود والنصارى يحتجُّ لهم في إبطال نبوة سيد البشر، وكان يلازم الرافضة والملاحدة، قيل: كان أبوه يهوديًا فأسلم هو، فكان بعض اليهود يقول للمسلمين: لا يفسد هذا عليكم كتابكم كما أفسد أبوه علينا التوراة، قال ابن الجوزي: وإنما ذكرته ليعرف قدر كفره، وقال ابن حجر: إنما أوردته لألعنه، مات سنة (٢٩٨ هـ).
انظر: "المنتظم" ١٣/ ١٠٨، و"وفيات الأعيان" ١/ ٩٤، و"سير أعلام النبلاء" ١٤/ ٥٩، و"لسان الميزان" ١/ ١٩٤.
(٤) ورد في "مقالات الإسلاميين" ص ٣٣٢، بنحوه، انظر: "تفسير البغوي" ٥/ ١٢٦، و"الخازن" ٣/ ١٧٩ بلا نسبة فيهما.
(٥) هم أتباع الحسين بن محمد النجّار، من فوق المرجئة، يعتقدون أن الإيمان بالقول دون العمل، وأن من كان مؤمنا لا يزول عنه اسم الإيمان إلا بالكفر، ويثبتون للفعل فاعلين؛ الله تعالى والعبد، واتفقوا مع المعتزلة في نفي بعض الصفات =

صفحة رقم 466

الروح عرض (١)، ومثله حكى القلانسي (٢) من أصحابنا عن عبد الله ابن سعيد (٣).
وقال بعض الحكماء: إن الله تعالى خلق الأرواح من ستة أشياء: من جوهر النور والطِّيبِ والبقاء والحياة والعلم والعلو، ألا ترى أنه ما دام في الجسد كان الجسد نورانيًا؛ تبصر العينان وتسمع الأذنان، ويكون طَيبًا فإذا خرج نَتِنَ الجسدُ، ويكون باقيًا فإذا زايله الروح لم يعلم شيئًا، ويكون الجسد علويًّا لطيفًا مادام فيه الروح، فإذا خرج صار سفليًّا كثيفًا (٤).
وقال محمد بن موسى الواسطي (٥): خلق الله الأرواح

= والقول بخلق القرآن، وهم أكثر من عشر فرق بالري. انظر: "مقالات الإسلاميين" ١٣٥، و"الفرق بين الفرق" ٢٥، و"البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان" ٣٩.
(١) ورد في "مقالات الإسلاميين" ص ٣٣٤ بلا نسبة، انظر: "تفسير البغوي" ٥/ ١٢٦ بلا نسبة، و"الروح" لابن القيم ٢/ ٥٧٣ بلا نسبة.
(٢) أبو أحمد مصعب بن أحمد الغدادي القلانسي [نسبة إلى القلانس -جمع قلنسوة- وعملها]، شيخ الصوفية، صاحب أبي حمزة وعليه تخرج، وكان أبو حمزة والجنيد وجماعة المشايخ يكرمونه ويقدمونه على غيره، وكان أبو سعيد ابن الأعرابي ينتمي إليه في التصوف وصحبه إلى أن مات، حج سنة (٢٧٠ هـ) فمات بمكة. انظر: "حلية الأولياء" ١٠/ ٣٠٦، و"اللباب في تهذيب الإنساب" ٣/ ٦٧، و"سير أعلام النبلاء" ١٣/ ١٧٠.
(٣) عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي الكوفي المفسّر، أبو سعيد الأشج، حدث عن هُشيم وأبي بكر بن عياش، وعنه الأئمة الستة وابن خزيمة، قال الذهبي: رأيت تفسيره مجلدٌ، مات سنة (٢٥٧ هـ) انظر: "الجرح والتعديل" ٥/ ٧٣، و"سيرأعلام النبلاء" ١٢/ ١٨٢، و"طبقات المفسرين" للداوودي ١/ ٢٣٥.
(٤) انظر: "تفسير البغوي" ٥/ ١٢٦ مختصرًا، و"الخازن" ٣/ ١٧٩ مختصرًا.
(٥) محمد بن موسى الواسطي، قاضى الرملة، قال ابن يونس -في تايخ مصر- كان =

صفحة رقم 467

من (١) بين الجمال والبهاء، فلولا أنه سترها لسجد لها كل كافر (٢)
وقال أبو قِلابَة: ما خلق الله شيئًا أطيب من الروح وما انتزع من شيء إلا نتن (٣)، والاختيار في ماهية الروح أنه جسم لطيف توجد به الحياة، وقوله: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ إلى قوله: يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠] يدل على أن الروح جسم؛ لأن الارتزاق والفرح من صفات الأجسام، والمراد بهذا أرواحهم لأن أبدانهم قد بليت في التراب، وكذلك ما روي: "أن أرواح الشهداء تَعْلُقُ من شجر الجنة وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش" (٤)، وهذا الفعل لا يتأتى من العَرَض.

= عالمًا بالفقه والتفسير، ويتفقه على مذهب أهل الظاهر، وقد رمي بالقدر، مات سنة (٣٢٠ هـ). انظر: "طبقات المفسرين" للسيوطي ص ١١٧، و"طبقات المفسرين" للداوودي ٢/ ٢٦٤.
(١) في د: (ما).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) لم أقف على هذه الرواية بنصها، بل وردت مفرداتها في أحاديث متفرقة، أقربها: عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن أروح الشهداء في طير خُضرٍ تَعْلُقُ من ثمرة الجنة أو شجر الجنة.. " أخرجه أحمد ٦/ ٣٨٦، والترمذي (١٦٤١) كتاب فضل الجهاد، باب ما جاء في ثواب الشهداء ٤/ ١٧٦ وقال: حديث حسن صحيح، والطبراني في "الكبير" ١٩/ ٦٦، بنحوه، وفي رواية عن ابن مسعود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل عن قوله تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا [آل عمران: ١٦٩] فقال: "أرواحهم في جوف طير خُضرٍ لها قناديل معلقةٌ بالعرش.. " أخرجه مسلم (١٨٨٧) في الأمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة ٣/ ١٥٠٢، والترمذي (٣٠١١) كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة آل عمران، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٢٨٠١): الجهاد، باب فضل الشهادة =

صفحة رقم 468

وأما مدخل الروح ومخرجه، فقال قوم: يدخل من المنافذ كلها ويخرج من المنافذ كلها، وقال بعضهم: يدخل من الأنف ويخرج من الفم.
وحكى علي بن مهدي (١) -من أصحابنا- أنه يدخل من حيث شاء الله ويخرج من الأنف، لقولهم: مات حتف أنفه (٢)، وأما مسكنه فقال قوم: مسكن الروح القلب، وعمله شائع في جميع البدن كقرصة الشمس مسكنها الفلك ونورها ينتشر في الدنيا.
وقال آخرون: مسكنها الدماغ، وقيل: مسكنه الدم، وقال بعضهم:

= في سبيبل الله، والبيهقي: السير، باب فضل الشهادة في سبيل الله ٩/ ١٦٣، (تَعْلُقُ): أي تتناول.
(١) علي بن محمد بن مهدي الطبري الأشعري، أبو الحسن، تلميذ أبي الحسن الأشعري، صحبه بالبصرة وأخذ عنه، كان من المبرزين في علم الكلام والقوَّامين بتحقيقه، وله كتاب تأويل الأحاديث المشكلات الواردات في الصفات، كان حافظًا للفقه والتفاسير والمعاني وأيام العرب، فصيحًا مبارزًا في النَّظر، توفي في حدود سنة (٣٨٠ هـ) انظر: "طبقات الشافعية" للسبكي ٣/ ٤٦٦، و"تبيين كذب المفتري" ص ١٩٥، و"الوافي بالوفيات" للصفدي ٢٢/ ١٤٣، و"طبقات الفقهاء الشافعية" للعبادي ص ٨٥
(٢) جزء من حديث رواه عبد الله بن عتيك -رضي الله عنه-، وطرفه: "من خرج من بيته مجاهدًا في سبيل الله.. -إلى أن يقول- أو مات حتف أنفه، فقد وقع أجره على الله -عز وجل-" ثم يقول الرواي: والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-... ، أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٢١٠، وأحمد ٤/ ٣٦، والطبراني في "الكبير" ٢/ ١٩١، والحاكم ٢/ ٨٨، وصححه ووافقه الذهبي، وورد في "تهذيب اللغة" (حتف) ١/ ٧٣٧، وأورده في "المجمع" ٥/ ٢٧٧ وقال: وفيه محمد بن إسحاق مدلس، وباقية رجال أحمد ثقات، انظر: "مجمع الأمثال" ٢/ ٢٦٦، و"المستقصى" ٢/ ٣٣٨، ويُروى: حتف أنْفَيْه، ومعناه: أي مات بلا ضرب ولا قتل، قال أبو عبيد: هو أن يموت موتًا على فراشه من غير قتل ولا غرق ولا سبْع ولا غيره.

صفحة رقم 469

هو يشتمل جميع البدن، ففي كل بعضٍ من أبعاضِ البدن بعضٌ مِن أبعاضِ الروح، واحتج بقوله: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [إبراهيم: ١٧]، وهذا كله إذا رجعت إلى التحقيق ضرب من التكلُّف (١)؛ لأن الله تعالى أبهم على ذلك (٢).
قال عبد الله بن بُريدة: ما يبلغ الجن والإنس والملائكة والشياطين علم الروح، ولقد مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما يدري ما الروح (٣).
وقال الفراء: الروح هو الذي يعيش به الإنسان، لم يخبر الله به أحدًا من خلقه، ولم يعط علمه أحدًا من عباده (٤).
وقال في قوله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي من علم ربي لا تعلمونه (٥)، وقيل: من خلق ربي، أي: أنه مخلوق له.
وقوله تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، أي: بالإضافة إلى علم الله تعالى، وذلك أن اليهود كانت تدّعى علم كل شيء بما في كتابهم التوراة، فقال الله تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا قال أبو إسحاق: وقليل وكثير لا يصلح إلا بالإضافة، وإنما يَقِلُّ الشيء عند ما هو أكثر منه، وكذلك يكثر عند ما هو أقل منه (٦)، ويجوز أن يكون الخطاب في قوله:

(١) في جميع النسخ: (التكليف). والصواب ما أثبته.
(٢) لذلك كان الأولى أن لا يخوض في هذه المسألة أصلاً.
(٣) ورد في "الأضداد" لابن الأنباري ص ٤٢٦ مختصرًا، وأخرجه أبو الشيخ في "العظمة" ص ١٩٣، بنصه، انظر:"تفسير السمعاني" ٣/ ٢٧٥، أورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ٣٦٢ مختصرًا، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
(٤) ورد في " تهذيب اللغة" (راح) ٢/ ١٣١٣، بنصه تقريبًا.
(٥) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٣٠، بنحوه.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٥٨، بتصرف يسير.

صفحة رقم 470

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية