إلا رحمة من ربك يعني إلا أن ينالك رحمة من ربك فهي لسترده، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا ومعناه ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به، فيكون امتنانا بإبقائه بعد المنة في تنزيله إن فضله كان عليك كبيرا حيث بعثك نبيا وأنزل عليك الكتاب والتزم عليه جمعه في المصاحف والصدور وقرآنه وبيانه وأعطاك المقام المحمود والحوض المورود وغير ذلك، قال البغوي قال ابن مسعود اقرؤوا القرآن قبل أن يرفع فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع، قيل هذه المصاحف يرفع فكيف بما في الصدور، قال : ليسري عليه ليلا فيرفع ما في صدورهم فيصبحون لا يحفظون شيئا ولا يجدون في المصاحف شيئا، ثم يفيضون في الشعر، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث نزل له دوي حول العرش كدوي النحل فيقول الرب ما لك ؟ فيقول : يا رب أتلى ولا يعمل بي، قلت هكذا ذكر البغوي وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسألوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا )١ وروى أحمد وابن ماجه عن زياد بن لبيد قال : ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فقال ذلك عند أوان ذهاب العلم، قلت : يا رسول الله وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرءه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة ؟ قال : فقال :( ثكلتك أمك زياد إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما )٢ وروى الترمذي عنه، نحوه وروى الدارمي عن أبي أمامة نحوه، قلت : ولعل ابن مسعود زعم رفع القرآن عن المصاحف والصدور بما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( تعلموا العلم وعلموه الناس تعلموا الفرائض وعلموها الناس تعلموا القرآن وعلموه الناس فاني امرؤ مقبوض والعلم سيقبض ويظهر الفتن حتى يختلف اثنان في فريضة لا يجدان
أحدا يفصل بينهما ) رواه الدارقطني والدارمي عن ابن مسعود، ومقتضى حديث الصحيحين أن يحمل قبض العلم في هذا الحديث على قبضة بقبض العلماء لا بالانتزاع، مقتضى حديث زياد أن معنى ذهاب العلم ذهاب توفيق العمل به، قلت : والجمع بينهما أنه يذهب توفيق العمل بالعلم أولا كما تراه في زماننا، ثم يذهب العلم مطلقا بقبض العلماء كما ترى قلة العلم في ذلك الزمان إلى هذا الغاية بقلة العلماء بعدما كان كثيرا بكثرة العلماء وقلة توفيق التعليم والتعلم والله أعلم.
٢ أخرجه ابن ماجة في كتاب: الفتن، باب: ذهاب القرآن والعلم (٤٠٤٨) وفيه انقطاع..
التفسير المظهري
المظهري