اعتزلتم قومكم ومعبودهم إِلَّا اللَّهَ فإنكم لم تعتزلوا عبادته، المعنى: إذ بعدتم عن قومكم ومرادهم.
فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ فالجؤوا إليه.
يَنْشُرْ يبسط لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ بأن يسهلها عليكم ويعيذكم من عدوكم. قرأ أبو عمرو (يَنْشُر لَكمْ) بإدغام الراء في اللام من رواية السوسي، واختلف عنه من رواية الدوري، والوجهان صحيحان عن أبي عمرو (١) وَيُهَيِّئْ يسهل لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا ما يرتفق به الإنسان، قالوأ ذلك توكلًا على الله. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (مَرْفِقًا) بفتح الميم وكسر الفاء، والباقون: بكسر الميم وفتح الفاء، ومعناهما واحد.
...
وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧).
[١٧] وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ قرأ ابن عامر، ويعقوب: (تَزْوَرُّ) بإسكان الزاي وتشديد الراء من غير ألف؛ مثل: تحمرُّ، وقرأ الكوفيون: بفتح الزاي وتخفيفها وألف بعدها وتخفيف الراء، أصله: تتزاور، فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا، وقرأ الباقون: بتشديد الزاي وإثبات الألف، أصله تتزاور، قلبت التاء الثانية زايًا، ثم أدغمت،
والقراءات بمعنى واحد (١)؛ أي: تميل وتعدل عن كهفهم.
ذَاتَ الْيَمِينِ ظرف لـ (تزاور)، والمعنى: نحو الجهة المسماة باليمين.
وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ تجاوزهم، وتعدل عنهم.
ذَاتَ الشِّمَالِ وأصل القرض: القطع، ومنه سمي المقراض؛ لأنه يقطع به.
وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ أي: متسع من مكان (٢) الكهف، يصل إليهم النسيم، ويدفع عنهم كرب الغار ووخمه، ولا تصل إليهم الشمس عند طلوع ولا غروب.
ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عجائبه الدالة على قدرته، ثم مدحهم فقال:
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ بأن فتح له طريق الهداية فسلكها فَهُوَ الْمُهْتَدِ أي: المخلص في إيمانه الذي أصاب الفلاح. أثبت نافع وأبو جعفر وأبو عمرو الياء في (المهتدي) وصلًا، وأثبتها يعقوب وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (٣).
(٢) "مكان" ساقطة من "ت".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٥٣).
فتح الرحمن في تفسير القرآن
أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي
نور الدين طالب