الأيمن من اليمين: أى من ناحيته اليمنى. أو من اليمن صفة للطور، أو للجانب. شبهه بمن قرّبه بعض العظماء للمناجاة، حيث كلمه بغير واسطة ملك. وعن أبى العالية قرّبه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة.
[سورة مريم (١٩) : آية ٥٣]
وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣)
مِنْ رَحْمَتِنا من أجل رحمتنا له وترأفنا عليه: وهبنا له هرون. أو بعض رحمتنا، كما في قوله وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا. وأَخاهُ على هذا الوجه بدل. وهارُونَ عطف بيان، كقولك: رأيت رجلا أخاك زيدا. وكان هرون أكبر من موسى، فوقعت الهبة على معاضدته وموازرته كذا عن ابن عباس رضى الله عنه.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٥٤ الى ٥٥]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)
ذكر إسماعيل عليه السلام بصدق الوعد وإن كان ذلك موجودا في غيره من الأنبياء، تشريفا له وإكراما، كالتلقيب بنحو: الحليم، والأوّاه، والصدّيق، ولأنه المشهور المتواصف من خصاله. عن ابن عباس رضى الله عنه: أنه وعد صاحبا له أن ينتظره في مكان، فانتظره سنة. وناهيك أنه وعد في نفسه الصبر على الذبح فوفى، حيث قال سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لمن وراءهم، ولأنهم أولى من سائر الناس وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ، قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً ألا ترى أنهم أحق بالتصدّق عليهم، فالإحسان الديني أولى. وقيل أَهْلَهُ أمته كلهم من القرابة وغيرهم، لأنّ أمم النبيين في عداد أهاليهم. وفيه أنّ من حق الصالح أن لا يألو نصحا للأجانب فضلا عن الأقارب والمتصلين به، وأن يحظيهم بالفوائد الدينية ولا يفرط في شيء من ذلك.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٥٦ الى ٥٧]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧)
قيل: سمى إدريس لكثرة دراسته كتاب الله عزّ وجل، وكان اسمه أخنوخ، وهو غير صحيح، لأنه لو كان أفعيلا من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية، فكان منصرفا، فامتناعه من الصرف دليل العجمة. وكذلك إبليس أعجمى، وليس من الإبلاس كما يزعمون،
ولا يعقوب من العقب، ولا إسرائيل بإسرال كما زعم ابن السكيت، ومن لم يحقق ولم يتدرّب بالصناعة كثرت منه أمثال هذه الهنات. ويجوز أن يكون معنى إِدْرِيسَ في تلك اللغة قريبا من ذلك، فحسبه الراوي مشتقا من الدرس. المكان العلى: شرف النبوّة والزلفى عند الله وقد أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وأوّل من خاط الثياب ولبسها، وكانوا يلبسون الجلود. وعن أنس بن مالك رضى الله عنه يرفعه إنه رفع إلى السماء الرابعة «١». وعن ابن عباس رضى الله عنهما: إلى السماء السادسة «٢». وعن الحسن رضى الله عنه. إلى الجنة لا شيء أعلى من الجنة. وعن النابغة الجعدي: أنه لما أنشد عند رسول الله ﷺ الشعر الذي آخره:
| بلغنا السّماء مجدنا وسناؤنا | وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا «٣» |
(٢). أخرجه الطبري وابن مردويه من رواية عطية عنه.
(٣).
| ولا خير في حلم إذا لم يكن له | بواد وتحمى صفوه أن يكدرا |
| ولا خير في جهل إذا لم يكن له | حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا |
| بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا | وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا |
تخييل، والمراد بالجهل: عجلة الاقدام على عظائم الأمور. والإيراد جعل الشيء واردا. والإصدار: جعله صادرا. والمراد تسبب في وجوده وإعظامه وفي تحقيره وإعدامه. ويحتمل أنه شبه الأمر المعضل بحيوان يورده صاحبه إلى الماء تارة ويرجعه أخرى، على طريق المكنية، والإيراد والإصدار تخييل. ويجوز أن فاعل أورد ضمير الجهل، وفاعل أصدر ضمير الحليم، أى: إذا تسبب الجهل والشجاعة في أمر خطاء أرجعه الحليم وأبطله، فلا بد من اجتماع الحلم والجرأة معا حتى يكمل الرجل. ومجدنا وسناؤنا بالرفع بدلا من فاعل بلغنا. وقيل: هما مفعولان فهما بالنصب. وانظر ما وجهه، ولعله أنهما ظرفان اعتباريان، أى: بلغنا السماء في المجد والسناء. أو بدلان من السماء، بأن شبههما بها، ثم أطلقها عليهما وأبدلهما منها، وهو أوجه من الظرفية. ولو قيل على النصب: أنهما تمييزان، كان وجيها، لكنه على رأى الكوفيين القائلين بجوازه معرفة، ولما ادعى بلوغ السماء بنى عليه ما يبنى على المحسوس فقال: وإنا لنرجو مظهرا فوق ذلك.
(٤). أخرجه البزار وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل لها من طريق يعلى بن الأشرف عنه وله طريق أخرى عند البيهقي وذكر القصيدة.
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم