قوله : رَّبُّ السماوات ١ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه بدل من " ربُّكَ " ٢.
الثاني : أنه خبر مبتدأ مضمر، أي : هُو ربُّ٣.
الثالث : كونه مبتدأ والخبر الجملة الأمرية بعده. وهذا ماشٍ رأي الأخفش، إذ٤ يجوِّز زيادة الفاء في خبر المبتدأ مطلقاً٥.
قوله : لِعبادَتِهِ متعلق ب " اصْطَبَرْ " فإن قيل : لِمَ لَمْ يقُلْ : واصطبر على عبادته، لأنها صلته، فكان٦ حقه تعديه ب " على " ؟.
فالجواب : أنَّه ضمن٧ معنى الثبات، لأنَّ العبادة ذات تكاليف قل من يصبر٨ لها، فكأنَّه قيل : واثبت لها مصطبرا٩. واستدلوا بهذه الآية على أنَّ فعل العبد خلق لله -تعالى-، لأنَّ فعل العبدِ حاصل بين السماوات والأرض، وهو رب لكل شيء حاصل بينهما١٠.
قوله : هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً أدغم الأخوان١١، وهشام١٢، وجماعة لام " هَلْ " في " التاء " ١٣.
وأنشدوا١٤ على ذلك بيت مُزَاحِم العُقيليّ١٥ :
| فَذَرْ ذَا١٦ ولكِن هَتُّعِينُ مُتَيَّماً | عَلى ضَوْءِ برْقِ آخِرِ اللَّيْلِ نَاصِبِ١٧ |
فصل
دلَّ ظاهر الآية على أنَّه- تعالى- رتب الأمر١٨ بالعبادة والأمر بالمصابرة عليها أنه لا سميّ له١٩، والأقرب أنه ذكر الاسم وأراد هل تعلم له نظيراً فيما يقتضي العبادة والتي٢٠ يقتضيها كونه منعماً بأصول ( النعم وفروعها، وهي خلق الأجسام، والحياة والعقل، وغيرها، فإنه لا يقدر على ذلك٢١ ) أحد سواه -سبحانه وتعالى- وإذا كان قد أنعم عليك بغاية الإنعام، وجب أن تعظمه بغاية التعظيم، وهي العبادة٢٢.
قال ابن عباس : هل تعلم له مثلاً٢٣.
وقال الكلبي : ليس٢٤ له شريك في اسمه٢٥. وذلك لأنهم٢٦ وإن كانوا يطلقون لفظ الإله على الوثن فما أطلقوا لفظ الله -تعالى٢٧- على شيء. قال ابن عباس : لا يسمة بالرحمن غيره. وأيضاً : هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل، لأنَّ التسمية على الباطل كلا تسمية، لأنها غير معتد بها، والقول الأول أقرب٢٨.
٢ في قوله تعالى: وما كان ربك نسيا من الآية السابقة. الكشاف ٢/٤١٧. الكشاف ٢/٤١٧، البيان ٢/١٢٩، البحر المحيط ٦/٢٠٤..
٣ الكشاف ٢/٤١٧، البيان ٢/١٢٩، التبيان ٢/٨٧٧، البحر المحيط ٦/٢٠٤..
٤ إذ: سقط من ب..
٥ خالف الأخفش كثيرا من النحويين حيث جوّز زيادة الفاء في خبر المبتدأ مطلقا، نحو: زيد فوجد وقول الشاعر:
وقائلة:
| خولان فانكح فتاتهم | وأكرومة الحيّتين خلو كما هيا |
والأكثرون يجيزون دخول الفاء في خبر المبتدأ إذا كان المبتدأ متضمنا معنى الشرط، بأن كان اسما موصولا بشرط أن يكون عاما، وأن تكون صلته فعلا أو ظرفا نحو: الذي يأتيني أو في الدار فله درهم واشترط هذا، لأنه إذا كان كذلك كان فيه معنى الشرط، فتدخل فيه الفاء كما تدخل في الشرط المحض، نحو: من يأتني فله درهم أو كان المبتدأ نكرة عامة موصوفة بالفعل، أو الظرف أو الجار والمجرور، نحو: كل رجل يأتيني أو أمامك، أو في الدار فله درهم، لأن النكرة في إبهامها كالموصول إذا لم يرد به مخصوص، والصفة كالصلة، فإذا كانت بالفعل أو ما هو في تقديره من جار ومجرور كانت كالموصول في شبه الشرط والجزاء، فتدخل الفاء في خبرها كما تدخل في خبر الموصول.
وقد أول سيبويه وغيره ما أنشده الأخفش على تقدير مبتدأ، والفاء عاطفة من عطف جملة فعلية على جملة اسمية.
الكتاب ١/١٣٨-١٤١، البيان ٢/١٢٩-١٣٠، التبيان ٢/٨٧٧، ابن يعيش ١/٩٩-١٠١، شرح الكافية ١/١٠١-١٠٢، المغني ١/١٦٥-١٦٦..
٦ في ب: وكان..
٧ التضمين: هو أن يؤدي اللفظ معنى الفظ فيعطي حكمه نحو قوله تعالى: الرفث إلى نسائكم [البقرة: ١٨٧]، ضمّن الرفث معنى الإفضاء فعدي بـ (إلى) مثل: وقد أفضى بعضكم إلى بعض [النساء: ٢١]، وإنما أصل الرفث أن يتعدى بالباء، ويقال: أرفث فلان بامرأته. المغني ٢/٦٨٥..
٨ في ب: يثبت..
٩ الكشاف ٢/٤١٧، البحر المحيط ٦/٢٠٤..
١٠ الفخر الرازي ٢١/٢٤٠-٢٤١..
١١ حمزة والكسائي..
١٢ هو هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة أبو الوليد السلمي، أخذ القراءة عرضا عن أيوب بن تميم، وعراك بن خالد، وغيرهما، وروى القراءة عنه أبو عبيد القاسم بن سلام، وأحمد بن يزيد الحلواني، وغيرهما، مات سنة ٢٤٥ هـ. طبقات القراء ٢/٣٥٤-٣٥٦..
١٣ السبعة (١٢٢-١٢٣)، البحر المحيط ٦/٢٠٤، الإتحاف ٣٠٠..
١٤ في ب: وأنشد..
١٥ هو مزاحم بن الحارث من بني عقيل، شاعر، بدوي، فصيح، إسلامي، كان في زمن جرير والفرزدق، وكان جرير يقرظه ويقدمه. الخزانة ٦/٢٠٤، الإتحاف ٣٠٠..
١٦ في ب: ها..
١٧ البيت من بحر الطويل، قاله مزاحم العقيل "يّ، وهو في مجاز القرآن ٢/٩، الكتاب ٤/٤٥٩، تفسير ابن عطية ٩/٥٠٣، ابن يعيش ١٠/١٤١، ١٤٢، البحر المحيط ٦/٢٠٤، المتيّم: الذي تيّمه الحب واستعبده. النّاصب: المنصب والمتعب: وهو غير جار على فعله، لأن الفعل (أنصب) فهو منصب، وإنما هو على النسب كتامر ولابن. والشاهد فيه إدغام اللام في التاء، أي: لام (هل) في تاء (تعين)، لأنهما متقاربان في المخرج، إذ هما من حروف طرف اللسان..
١٨ في ب: على الأمر..
١٩ في ب: لا يسمى..
٢٠ في ب: الذي..
٢١ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٢ انظر الفخر الرازي ٢١/٢٤١..
٢٣ انظر البغوي ٥/٣٨٦..
٢٤ في ب: هل تعلم..
٢٥ انظر الفخر الرازي ٢١/٢٤١..
٢٦ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢١/٢٤١..
٢٧ تعالى: سقط من ب..
٢٨ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢١/٢٤١..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود