ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺ

ثم إنه تعالى لما قرر المطلوب بالدليل١ أردفه بالتشديد٢ فقال فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين أي : لنجمعنهم في المعاد، يعني المشركين المنكرين للبعث مع الشياطين، وذلك أنه يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة.
وفائدة القسم أمران : أحدهما٣ : أنَّ العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين.
والثاني : أنَّ في قسام الله -تعالى- باسمه٤ مضافاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفعاً٥ منه لشأنه كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله : فَوَرَبِّ السماء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ ٦. والواو في " والشَّياطين " يجوز أن تكون للعطف٧، وبمعنى " مع " ٨ وهي بمعنى " مع " أوقع٩. والمعنى، أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغروهم. ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ أي : نحضرهم على أذل صورة لقوله : جِثِيًّا لأنَّ البارك على ركبتيه صورته الذليل، أو صورة العاجز١٠.
فإن قيل : هذا المعنى حاصل للكل لقوله : وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ١١، ولأنَّ العادة جارية بأنَّ الناس في مواقف١٢ مطالبات الملوك يتجاثون على ركبهم لما في ذلك من القلق، أة لما يدهمهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معه١٣ القيام على أرجلهم وإذا١٤ كان حاصلاً١٥ للكل، فكيف يدل على مزيد ذل الكفار.
فالجواب : لعل المراد أنهم يكونون من وقت الحشر إلى وقت الحضور في الموقف على هذه١٦ الحال، وذلك يوجب مزيد ذلهم١٧.
قوله : جِثِيًّا حال مقدرة١٨ من مفعول " لنُحْضرنَّهُمْ " ١٩. و " جِثِيًّا " جمع جاثٍ جمع على فعول، نحو قَاعد وقُعُود، وجَالس وجُلوس، وفي لامه٢٠ لغتان :
أحدهما : الواو.
والأخرى : الياء.
يقال : جَثَا يَجْثُو جُثُوًّا، وجَثَا يَجْثِي جِثِيًّا٢١.
فعلى التقدير الأول : يكون أصله جُثُوو. بواوين الأولى زائدة علامة للجمع والثانية لام الكلمة، ثم أعلت إعلال عِصِيّ ودليّ، وتقدم تحقيقه في " عِتيًّا " ٢٢.
وعلى الثاني يكون الأصل : جُثُوياً، فأعل إعلال هيِّن وميِّت٢٣.
وعن ابن عباس : أنه بمعنى جماعات جماعات، جمع جثْوة، وهو المجموع من التراب والحجارة٢٤، وفي صحته عنه نظر من حيث إنَّ فعلهُ لا يجمع على فعول. ويجوز في " جِثِيًّا " أن يكون مصدراً على فعول٢٥، وأصله كما تقدم في حال كونه جمعاً، إمَّا جُثُوو، وإمَّا جُثُوي٢٦.
وقد تقدم أنَّ الأخوين٢٧ يكسران فاءه، والباقون يضمونها٢٨.
والجثوّ : القعود على الركب٢٩.

١ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢١/٢٤٢ -٢٤٣..
٢ في ب: بالدليل بالتهديد..
٣ في ب: الأول..
٤ في الأصل: بنفسه. .
٥ في الأصل: رفع..
٦ [الذاريات: ٢٣]..
٧ في ب: للتعظيم. وهو تحريف..
٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٩ على العطف تكون "الشياطين" معطوفة على الضمير في "لنحشرنّهم"، وعلى كونها بمعنى (مع) يكون ما بعد الواو منصوبا على المفعول معه، والمعنى: لنحشرنهم في صحبة الشياطين. الكشاف ٢/٤١٨..
١٠ في ب: لأن البارك على ركبته صورة الذليل أو صورة الفاجر..
١١ [الجاثية: ٢٨]..
١٢ في ب: بمواقع..
١٣ في الأصل: معها..
١٤ في ب: ولما..
١٥ في الأصل: حاصل..
١٦ في ب: هذا..
١٧ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢١/٢٤٢-٢٤٣..
١٨ الحال المقدرة: هي الحال المستقبلة، وهي ما لم تحدث بعد، ولكن يقدر وينتظر حدوثها مثل: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، أي: مقدرا ذلك، وعليه بـ (جثيا) كوصف للكفار والشياطين لم يتحقق بعد، ولكنه سيتحقق يوم القيامة. انظر المغني ٢/٤٦٥، والأشموني ٢/١٩٣..
١٩ انظر مشكل إعراب القرآن ٢/٦٠، الكشاف ٢/٤١٩، البيان ٢/١٣٠..
٢٠ في ب: الآية. وهو تحريف..
٢١ قال ابن منظور: (جثا يجثو ويجثي جثوا وجثيا على فعول فيهما، جلس على ركبته للخصومة ونحوها) اللسان (جثا)..
٢٢ عند قوله تعالى: قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا [مريم: ٨]. انظر اللباب ٥/٤٠١. .
٢٣ تقلب الواو ياء إذا اجتمعت مع الياء في كلمة، وكان السابق منهما ساكنا، ثم تدغم الياء في الياء، فأصل: جثيّ (على أن لامه ياء) وهيّن وميّت، جثوي وهيون وميوت قلبت الواو للعلة السابقة وأدغمت الياء في الياء فصار: جثيا، وهنيا، وميتا، ثم في (جثيا) تقلب ضمة الثاء كسرة لمناسبة الياء المشددة ثم يتبع كسر الثاء كسر الجيم. شرح الشافية ٣/١٣٩..
٢٤ البحر المحيط ٦/٢٠٨..
٢٥ مشكل إعراب القرآن ٢/٦٠، البيان ٢/١٣٠..
٢٦ أي: أنه قد تكون لامه واوا أو ياء، فإذا كانت لامه واوا جاز الإعلال والتصحيح، والغالب التصحيح لخفة المفرد. شرح الشافية ٣/١٧١، شرح الأشموني ٤/٣٢٧..
٢٧ في الأصل: الأخوان، والأخوان هما: حمزة والكسائي..
٢٨ السبعة: (٤٠٧). الحجة لابن خالويه (٢٣٥) الكشف ٢/٨٤، النشر ٢/٣١٧، الإتحاف (٢٩٨). فمن قرأ بكسر الجيم يتبع الكسر الكسر طلبا للمجانسة، والخفة، ومن قرأ بالضم فعلى الأصل الكشف ٢/٨٤-٨٥، البيان ٢/١٣٠..
٢٩ اللسان (جثا)..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية