هين ليس عسيرا ولا صعبا.
مما نقل صاحب روح المعاني : يا زكريا على إرادة القول.. أي :.. قال الله تعالى :... لكن لا بأن يخاطبه سبحانه وتعالى بذلك بالذات بل بواسطة الملك..... وما في الوعد من التراخي لا ينافي التعقيب في قوله تعالى : فاستجبنا له ) الآية، لأنه تعقيب عرفي، كما في : تزوج فولد له ؛... وفي تعيين اسمه.. تأكيد للوعد وتشريف... وفي تخصيصه به.... مزيد من تشريف وتفخيم له عليه السلام. ا هـ. [ ومنّ عليه تعالى بأن لم يكل تسميته إلى الأبوين ؛.. { سميا معناه : مثلا ونظيرا، وهو مثل قوله تعالى : هل تعلم له سميا معناه مثلا ونظيرا ؛ وهذا كأنه من المساماة والسمو ؛ وهذا فيه بعد ؛ لأنه لا يفضل على إبراهيم وموسى ؛ اللهم إلا أن يفضل في خاص كالسؤدد٣ والحصر... ]٤.
قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا يتعجب عليه السلام ويسأل عن الكيفية التي سيأتي بها الولد من أم٥ لم تلد من أول عمرها، فكيف إذا صارت عجوزا ؛ ومن أب عسا عظمه وتيبس ؟ !. - قال زكريا لما بشره الله بيحيى : رب... من أي وجه يكون لي ذلك وامرأتي عاقر لا تحبل، وقد ضعفت من الكبر عن مباضعة النساء ؟ ! أبأن تقويني على ما ضعفت عنه من ذلك، وتجعل زوجتي ولودا، فإنك القادر على ذلك و على ما تشاء ؟ ! أم بأن أنكح زوجة غير زوجتي العاقر ؟ ! يستثبت ربه الخبر عن الوجه الذي يكون من قبله الولد الذي بشره الله به، لا إنكارا منه صلى الله عليه وسلم حقيقة كون ما وعده الله من الولد ! وكيف يكون ذلك منه إنكارا لأن يرزقه الولد الذي بشره ؟ !٦.
قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا قال الملك الذي جاء بالوحي إلى زكريا مجيبا على استخباره : الأمر كما ذكرت من أنك صرت بسبب الكبر ناحل القوة، وأن امرأتك ليست ولودا ؛ ولكن ربك يقول : خلق ما بشرتك به فعل هين علي ليس عسيرا ـ وليس خلق ما وعدتك أن أهبه لك من الغلام الذي ذكرت لك أمره منك مع كبر سنك وعقم زوجك بأعجب من خلقك، فإني قد خلقتك فأنشأتك بشرا سويا، من قبل خلقي ما بشرتك بأني واهبه لك من الولد، ولم تك شيئا، فكذلك أخلق لك الولد الذي بشرتك به من زوجتك العاقر، مع عتيك، ووهن عظامك، واشتعال شيب رأسك-٧.
قال رب اجعل لي آية ؛ سأل ربه أن يسوق له علامة على تحقق البشرى ليطمئن إلى ذلك قلبه ؛ قال الزجاج : وكان هذا السؤال لتعريف وقت العلوق حيث كانت البشارة مطلقة عن تعيينه، وهو أمر خفي لا يوقف عليه، لاسيما إذا كانت زوجته ممن انقطع حيضها لكبرها، وأراد أن يطلعه الله تعالى ليتلقى تلك النعمة الجليلة بالشكر من حيث حدوثها، ولا يؤخره إلى أن تظهر ظهورا معتادا. ا هـ.
قال آيتك ألا تكلم الناس قال الله تعالى له ـ محققا ما طلبه ـ العلامة التي سألتنيها هي عجزك عن تكليم الناس، مع قدرتك على ترديد كلامي وذكري ؛ ثلاث ليال [ مع أيامهن، للتصريح بالأيام في سورة آل عمران.. والعرب تتجوز أو تكتفي بأحدهما عن الآخر... ؛ سويا حال.. مفيد لكون انتفاء التكلم بطريق الإعجاز وخرق العادة، لا لاعتقال اللسان بمرض ]٨.
فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا فحين حبس لسان زكريا عن القدرة على مكالمة البشر علم أن هذه هي العلامة التي وعد، فخرج من مصلاه على جمع كانوا خارجا فأشار إليهم أن نزهوا الله تعالى واذكروه كثيرا، وقدسوه أول النهار وآخره ؛ مما نقل عن صاحب التحرير والتحبير : إنما خص التسبيح بالذكر لأن العادة جارية أن كل من رأى أمرا عجب منه أو رأى فيه بديع صنعة، أو غريب حكمة، يقول : سبحان الله تعالى.. فلما رأى حصول الولد من شيخ وعاقر عجب من ذلك، فسبح وأمر بالتسبيح. ا هـ ؛ وعن قتادة : أومى إليهم أن صلوا بكرة وعشيا.
يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا ههنا إضمار، ولعل التقدير : فلما ولد له، وبلغ المولود سنا يؤمر مثله فيه، قلنا له : يا يحيى خذ التوراة بجد وعزيمة في قراءتها والعمل بها، وقد أعطيناه الحكمة ونفاذ البصيرة، ورجاحة العقل منذ صباه.
وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا وأعطيناه رحمة وعطفا وحبا، يتراحم مع الخلق ويتعاطف، ويوادّهم ويوادّونه ؛ وطهرا من الدنس والآثام، وعملا على مرضاة الملك العلام ؛ يقول بعضهم : التقدير : وآتيناه الحكم وحنانا، وجعلناه ذا حنان وزكاة.
وبرا بوالديه أي : وكان كثير البر بوالديه والإحسان إليهما ؛ ولم يكن جبارا لم يكن متعاليا عن قبول الحق، ولا متطاولا على الخلق ؛ وعن ابن عباس : أنه الذي يقتل ويضرب عن الغضب ؛ وقال الراغب : هو في صفة الإنسان، يقال لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها عصيا مخالفا أمر مولاه عز وجل، فذلك هو العصي، أو : هو العاق لوالديه ؛ وقد حما الله تعالى نبيه يحيى عليه السلام من كل تلك المساوئ.
وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا بشرى من الحق تبارك اسمه لعبد الله ورسوله يحيى، أن مولاه أمّنه منذ ولد، فلا يمسه شيطان، وأمّنه يوم موته فلا يستوحش لفراق الدنيا، ولا يذوق عذاب القبر، وأمّنه يوم البعث من الأهوال والعذاب والخزي والنكال ؛ ـ وجيء، بالحال للتأكيد، وقيل : للإشارة إلى أن البعث جسماني لا روحاني ـ٩
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب