الحق تبارك وتعالى يسري عن نبيه صلى الله عليه وسلم ما يلاقي من عنت في سبيل دعوته، كأنه يقول له : إياك أن ينال منك بغض القوم لك وكرههم لمنهج الله، إياك أن تتضاءل أمام جبروتهم في عنادك، فهؤلاء ليسوا أعز من سابقيهم من المكذبين، الذين أهلكهم الله، إنما استبقى هؤلاء لأن لهم مهمة معك.
وسبق أن أوضحنا أن الذين نجوا من القتل من الكفار في بعض الغزوات، وحزن المسلمون لنجاتهم، كان منهم فيما بعد سيف الله المسلول خالد بن الوليد.
يقول تعالى : وكم أهلكنا قبلهم من قرنٍ.. " ٩٨ " ( سورة مريم ) : كم : خبرية تفيد الكثرة، من قرن : من أمة.
هل تحس منهم من أحدٍ.. " ٩٨ " ( سورة مريم ) : لأننا أخذناهم فلم نبق منهم أثراً يحس.
ووسائل الحس أو الإدراك كما هو معروف : العين للرؤية، والأذن للسمع، والأنف للشم، واللسان للتذوق، واليد للمس، فبأي أداة من أدوات الحس لا تجد لهم أثراً. وقوله : أو تسمع لهم ركزاً " ٩٨ "
( سورة مريم ) :
الركز : الصوت الخفي، الذي لا تكاد تسمعه. وهذه سنة الله في المكذبين من الأمم السابقة كما قال سبحانه : أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين " ٣٧ " ( سورة الدخان ).
أين عاد وثمود وإرم ذات العماد التي لم يُخلق مثلها في البلاد ؟ وأين فرعون ذو الأوتاد ؟ فكل جبار مهما علت حضارته ما استطاع أن يبقي هذه الحضارة ؛ لأن الله تعالى أراد لها أن تزول، وهل كفار مكة أشد من كل هؤلاء ؟
لذلك حين تسمع هذا السؤال : هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً " ٩٨ " ( سورة مريم ) :
لا يسعك إلا أن تجيب : لا أحس منهم من أحد، ولا اسمع لهم ركزاً.
تفسير الشعراوي
الشعراوي