{فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما
صفحة رقم 395
تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى} قوله تعالى: فلمَّآ أتَاهَا يعني النار، التي هو نور نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَاْ رَبُّكَ وفي هذا النداء قولان: أحدهما: أنه تفرد بندائه. الثاني: أن الله أنطق النور بهذا النداء فكان من نوره الذي لا ينفصل عنه، فصار نداء منه أعلمه به ربه لتسكن نفسه ويحمل عنه أمره فقدم تأديبه بقوله: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ الآية. وفي أمرْه بخلعهما قولان: أحدهما: ليباشر بقدميه بركة الوادي المقدس، قاله علي بن أبي طالب، والحسن، وابن جريج. والثاني: لأن نعليه كانتا من جلد حمار ميت، قاله كعب، وعكرمة، وقتادة. إِنَكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ فيه وجهان: أحدهما: أن المقدس هو المبارك، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: أنه المطهر، قاله قطرب، وقال الشاعر:
| (وأنت وصول للأقارب مدره | برىء من الآفات من مقدس) |
الرابع: أن معنى طوى: طَإِ الوادي بقدمك، قاله مجاهد. الخامس: أنه الاسم للوادي قديماً، قاله ابن زيد: فخلع موسى نعليه ورمى بهما وراء الوادي. قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: وأقم الصلاة لتذكرني فيها، قاله مجاهد. والثاني: وأقم الصلاة بذكري، لأنه لا يُدْخَلُ في الصلاة إلا بذكره. الثالث: وأقم الصلاة حين تذكرها، قاله إبراهيم. وروى سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: (مَنْ نَسِيَ صَلاَةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا) قال تعالى: وَأَقِمِ الصَلاَةَ لِذَكرِي. قوله تعالى: أكَادُ أُخْفِيهَا فيه أربعة تأويلات: أحدها: أي لا أظهر عليها أحداً، قاله الحسن، ويكون أكاد بمعنى أريد. الثاني: أكاد أخفيها من نفسي، قاله ابن عباس ومجاهد، وهي كذلك في قراة أُبَيّ (أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي) ويكون المقصود من ذلك تبعيد الوصول إلى علمها. وتقديره: إذا كنت أخفيها من نفسي فكيف أظهرها لك؟ الثالث: معناه أن الساعة آتية أكاد. انقطع الكلام عند أكاد وبعده مضمر أكاد آتي بها تقريباً لورودها، ثم استأنف: أخفيها لتجزى كل نفسٍ بما تسعى. قاله الأنباري، ومثله قول ضابىء البرجمي:
| (هممت ولم أفعل وكدت وليتني | تكرت على عثمان تبكي حلائله) |
| (فإن تدفنوا الداءَ لا نخفيه | وأن تبعثوا الحرب لا نقعد) |
| (ولما رأى الحجاج أظهر سيفه | أسر الحروري الذي كان أضمرا) |
النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود