ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ

نسيان آدم وعزمه
ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ١١٥ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ١١٦ فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنّكما من الجنة فتشقى ١١٧ إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى ١١٨ وأنك لا تظمئوا فيها ولا تضحى ١١٩ فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ١٢٠ فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى ١٢١ ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ١٢٢ قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ١٢٣ .
هذا وصف الله للطبيعة الإنسانية أنها تنسى، وأنها إذا لم تذكر بشرع من الله يقوي الإرادة برجاء الثواب وخوف العقاب، لا تكون للإنسان عزيمة، وآدم أبو البشرية في هذا الوقت الذي نسب الله تعالى إليه أنه نسى، ولم يجد له عزما، كان وهو على الفطرة الأولى التي لم يكن فيها شرائع مدونة قد جاء بها رسل، ولم يكن قد تسلط عليه إبليس اللعين، وتسلط على ذريته، وكل هذا التسلط منه على ذرية آدم بعد أن هبط من الجنة إلى الأرض.
ولقد عهدنا إلى آدم من قبل ، أي من قبل الشرائع والرسل، أي من قبل أن يقع، والمعنى عهد الله تعالى لآدم قبل أن يوسوس إليه الشيطان، وهذا العهد هو أمر الله وتكليفه، وإن لم يكن في دار تكليف، وكل أمر من الله تعالى هو عهد بين العبد وربه، وذلك العهد هو قوله تعالى :... وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ٣٥ ( البقرة )، ولقد بين الله تعالى أن ذلك عهد مؤكد، وقد أكده سبحانه ب "اللام"، وب "قد"، وبإضافة العهد إليه سبحانه وتعالى، وأنه وثق على آدم أشد توثيق، ولقد ذكر سبحانه وتعالى وصفين لآدم أحدهما إيجابي، والثاني سلبي، أما الأول فهو النسيان فقد قال : فنسي "الفاء" للعطف. ونسي منصبة على العهد، أي فنسي العهد، ووقع في المحظور الذي حذره منه، وليس ذلك ما يكون غضاضة على آدم، لأن الله تعالى يصف الطبع الإنساني، وأنه يعرض له النسيان وتعرض له الغفلة، وما يقع في ما ينهى عنه إلا وهو ناس غافل، الأمر الثاني، وهو السلبي ذكره سبحانه وتعالى بقوله : ولم نجد له عزما ، أي عزيمة صادقة تحزم أموره وتقطعها، وعبر سبحانه بهذا القول : ولم نجد له عزما في الأمر الواقع، والله تعالى يعلم به من قبل أن يقع، فقد قدر الله تعالى كل ذلك، وعلم ما وقع قبل وقوعه فكيف يقول : ولم نجد له عزما وهو الذي خلقه وصوره وقدره، ونقول : إنه وجده واقعا، وهو يعلم علما أزليا لأنه هو الذي خلق وصور.
وإن إبليس وذريته يجيئون إلى ذرية آدم، من نسيانهم وغفلتهم، ونقص عزيمتهم، كما جاء إبليس اللعين إلى أبى الإنسانية من جهة نسيانه، وأنه لم يكن له عزم مانع، فليحذر الناس بعد أن جاءتهم الشرائع من وسوسة إبليس وذريته.

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زهرة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير