ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ

ثم يقول الحق سبحانه : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ( ١١٥ ) .
كأن الحق – تبارك وتعالى – يعزي رسوله صلى الله عليه وسلم ويخفف عنه ما يعانيه من كفر القوم وعنادهم بقوله له : اقبلهم على علاتهم، فهم أولاد آدم، والعصيان أمر وارد فيهم، وسبق أن عهدنا إلى أبيهم فنسى، فإذا نسى هؤلاء فأقبل منهم فهم أولاد ( نساي ).
لذلك، إذا أوصيت أحدا بعمل شيء فلم يقم به، فلا تغضب، وارجع الأمر إلى هذه المسألة، والتمس له عذرا.
وقوله : عهدنا إلى آدم.. ( ١١٥ ) ( طه ) : أي : أمرنا ووصينا ووعظنا، وقلنا كل شيء.
من قبل.. ( ١١٥ ) ( طه ) : هذه الكلمة لها دور في القرآن، وقد حسمت لنا مواقف عدة، منها قوله هنا عن آدم والمراد : خذ لهم أسوة من أبيهم الذي كلفه الله مباشرة، ليس بواسطة رسول، وكلفه بأمر واحد، ثم نهاه أيضا عن أمر واحد : كل من كل الجنة إلا هذه الشجرة، هذا هو التكليف، ومع ذلك نسى آدم ما أمر به.
إذن : حينما يأتي التكليف بواسطة رسول، وبأمور كثيرة، فمن نسي من ولد آدم فيجب أن نعذره ونلتمس له عذرا، ولكثرة النسيان في ذرية آدم قال تعالى : وإني لغفار.. ( ٨٢ ) ( طه ) : بالمبالغة ؛ لأن الجميع عرضة للنسيان وعرضة للخطأ، فالأمر – إذن – يحتاج إلى مغفرة كثيرة.
كذلك جاءت ( من قبل ) في قوله تعالى : فلم تقتلون أنبياء الله من قبل.. ( ٩١ ) ( البقرة )
فكان لها دور ومغزى، فلو قال الحق سبحانه : فلم تقتلون أنبياء الله ؟ فحسب، فربما جرأهم على الاعتداء على رسول الله أن يقتلوه، أو يفهم منها رسول الله أنه عرضة للقتل كما حدث مع سابقيه من الأنبياء. لذلك قيدها الحق – تبارك وتعالى – وجعلها شيئا من الماضي الذي لن يكون، فهذا شيء من قبل، وليس هذا زمانه.
وقوله : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ( ١١٥ ) ( طه ) : أي : نسي العهد، هذه واحدة. وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ( ١١٥ ) ( طه ) : ليس عنده عزيمة قوية تعينه على المضي والثبات في الأمر.
فالحق – تبارك وتعالى – يريد أن يعطينا فكرة بأنه سبحانه حين يأمر بأمر فيه نفع لك تتهافت عليه، أما إذا أمر بشيء يقيد شهواتك تأبيت وخالفت، ومن هنا احتاج التكليف إلى عزيمة قوية تعينك على المضي فيه والثبات عليه، فإن أقبلت على الأمر الذي يخالف شهوتك نظرت فيه وتأملت : كيف أنه يعطيك شهوة عاجلة زائلة لكن يعقبها ذل آجل مستمر، فالعزم هنا ألا تغريك الشهوة.
ألا ترى أن الله تعالى سمى الرسل أصحاب الدعوات والرسالات الهامة في تاريخ البشرية أولو العزم.. ( ٣٥ ) ( الأحقاف ) : لأنهم سيتحملون مشاق ومهام صعبة تحتاج إلى ثبات وصبر على التكاليف.
ومن ذلك أيضا قوله تعالى : خذوا ما آتيناكم بقوة.. ( ٢٣ ) ( البقرة ) : أي : عزيمة تدفع إلى الطاعات، وتمنع من المعاصي.
ومسألة نسيان العبد للمنهيات التي يترتب عليها عقاب وعذاب أثارت عند الناس مشكلة في القضاء والقدر، فتسمع البعض يقول : ما دام أن الله تعالى كتب علي هذا الفعل فلم يعاقبني عليه ؟
ونعجب لهذه المقولة، ولماذا لم تقل أيضا : لماذا يثيبني على هذا الفعل، ما دام قد كتبه علي ؟ لماذا توقفت في الأولى و ( بلعت ) الأخرى، بالطبع ؛ لأن الأولى ليست في صالحك. إذن. عليك أن تتعامل مع ربك معاملة واحدة، وتقيس الأمور بمقياس واحد.
والعهد الذي أخذه الله على آدم أن يأكل رغدا من كل نعيم الجنة كما يشاء إلا شجرة واحدة حذره من مجرد الاقتراب منها هو وزوجه : ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ( ٣٥ ) ( البقرة )
وهذه المسألة تلفتنا إلى أن المحللات كثيرة لا تعد ولا تحصى أما المحرمات فقليلة معدودة محصورة ؛ لذلك حينما يحدثنا الحق سبحانه عن التكليف يقول : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم.. ( ١٥١ ) ( الأنعام ) : فالمحرمات هي التي يمكن حصرها، أما المحللات فخارجة عن نطاق الحصر.
ونلحظ أن الله تعالى حينما يحذرنا من المحرمات لا يحذرنا من مباشرتها، بل من مجرد الاقتراب منها ولا تقربا هذه الشجرة.. ( ٣٥ ) ( البقرة )، ولم يقل : لا تأكلا منها ؛ ليظل الإنسان بعيدا عن منطقة الخطر ومظنة الفعل.
وحينما يحدثنا ربنا عن حدوده التي حدها لنا يقول في الحد المحلل : تلك حدود الله فلا تعتدوها.. ( ٢٢٩ ) ( البقرة )، وفي الحد المحرم يقول : تلك حدود الله فلا تقربوها.. ( ١٨٧ ) ( البقرة ) ذلك لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
وقد كان للعلماء كلام طويل حول ما نسيه آدم عليه السلام، فمنهم من قال : نسي ( كل من هذه ولا تقرب هذه )، وعلى هذا الرأي لم ينس آدم لأنه نفذ الأمر فأكل مما أحله الله له، أما كونه أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها فليس في هذه أيضا نسيان ؛ لأن إبليس ذكره بهذا النهي فقال : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ( ٢٠ ) ( الأعراف ).
فحينما أكل آدم من الشجرة لم يكن ناسيا ما نهاه الله عنه.
إذن : ما المقصود بالنسيان هنا ؟
المقصود أن آدم – عليه السلام – نسي ما أخبره الله به من عداوة إبليس – لعنه الله – حين قال له : إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ( ١١٧ ) ( طه ).
والفكر البشري لا بد أن تفوته بعض المسائل، ولو كان عند الإنسان يقظة وحذر ما انطلى عليه تغفيل إبليس، فتراه يذكر آدم بالنهي ولم يدعه في غفلته ثم يحاول إقناعه : إن أكلتما من هذه الشجرة فسوف تكونا ملكين، أو تكونا من الخالدين.
وما دمت أنت يا إبليس بهذا الذكاء، فلماذا لم تأكل أنت من الشجرة وتكون ملكا أو تكون من الخالدين ؟ لماذا تضاءلت فصرت أرنبا تقول : أنظرني إلى يوم يبعثون ( ١٤ ) ( الأعراف ).
إذن : هذا نموذج من تغفيل إبليس لآدم وذريته من بعده، يلفتنا الله تعالى إليه يقول : تيقظوا واحذروا، فعداوته لكم مسبقة منذ سجد الجميع لآدم تكريما، وأبى هو أن يسجد.
فكان على آدم أن يحذره عدوه، وأن يتحصن له بسوء الظن فيه، فينظر في قوله ويفكر في كلامه ويفتش في اقتراحه.
والبعض يقول : إن خطأ آدم ناتج عن نسيان، فهو خطأ غير متعمد، والنسيان مرفوع، كما جاء في الحديث الشريف :( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )١.
فهل كان النسيان قديما لا يرفع، ورفع لهذه الأمة إكراما لها ؟ فأصحاب هذا القول يلتمسون العذر لآدم عليه السلام، لكن كيف وقد كلفه ربه مباشرة، وكلفه بأمر واحد، فالمسألة لا تحتمل نسيانا، فإذا نسي آدم مع وحدة التكليف وكونه من الله مباشرة، فهذا على أية حال جريمة.

١ أخرجه ابن ماجة في سننه (٢٠٤٥) والدارقطني في سننه (٤ / ١٧٠) والحاكم في مستدركه (٢ / ١٩٨) وصححه على شرط الشيخين عن ابن عباس، ولكن إسناد ابن ماجة منقطع..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير