ﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ

ولما وعد الله تعالى من يتبع الهُدَى أتْبَعه بالوعيد لمن أعرض فقال :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي والذكر يقع على القرآن وعلى سائر كتب الله تعالى على ما تقدم١.
قوله :" ضَنْكاً " صفة لمعيشة، وأصله المصدر، فكأنه قال : معيشة ذات ضنك، فلذلك لم يؤنث ويقع للمفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد٢. وقرأ الجمهور " ضَنْكاً " بالتنوين وصلاً وإبداله ألفاًَ وقفاً كسائر المعربات٣.
وقرأت فرقة " ضنكى " بألف كسكرى٤. وفي هذه الألف احتمالان :
أحدهما : أنها بدل من التنوين٥، وإنما أجري الوصل مجرى الوقف كما تقدم في نظائره، وسيأتي منها بقية إن شاء الله تعالى.
والثاني : أن تكون ألف التأنيث، بُنِي المصدر على ( فَعَلَى ) نحو دَعْوَى. والضنك الضيق والشدة٦، يقال منه : ضَنُكَ عيشُه يَضْنَكُ ضَنَاكَةً وَضَنْكاً، وامرأة ضنَاكٌ كثير لحم البدن، كأنهم تخيلوا ضيق جلدها به٧.

فصل


قال جماعة من المفسرين : الكافر بالله يكون حريصاً على الدنيا طالباً للزيادة فعيشه ضَنْكٌ، وأيضاً فمن الظلمة مَنْ ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة بكفره قال تعالى : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة ٨ وقال : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ٩، وقال : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ١٠ بَرَكَاتٍ منَ السمآء والأرض ١١ ١٢ وقال ابن مسعود وأبو هريرة وأبو١٣ سعيد الخدري - ( رضي الله عنهم )١٤ - : المراد بالعيشة الضنكى عذاب القبر١٥.
وقال الحسن وقتادة والكلبي : هو الضيق في الآخرة في جهنم، فإن طعامهم الضريع١٦ والزقوم١٧، وشرابُهُم الحميم١٨ والغِسْلِين١٩، فلا يموتون فيها ولا يَحْيُون٢٠. وقال ابن عباس٢١ : المعيشة الضنك هو أن يضيق عليه أبواب٢٢ الخير فلا يهتدي لشيء منها٢٣. وعن عطاء : المعيشةُ الضَّنك هي معيشة الكافر، لأنه غير٢٤ موقِنٍ بالثواب والعقاب٢٥.
وروي عنه -عليه السلام٢٦- أنَّه قال : عقوبة المعصيةِ ثلاثة ضيقُ المعيشة والعُسْرُ في اللذة، وأن لا يتوصل إلى قوته إلا بمعصية الله ( تعالى٢٧ )٢٨.
قوله : وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى
قرأ العامة " وَنَحْشُرُهُ " بالنون ورفع الفعل على الاستئناف.
وقرأ أبان بن تغلب في آخرين بتسكين الراء٢٩، وهي محتملة لوجهين :
أحدهما : أن يكون الفعل مجزوماً نسقاً على محل٣٠ جزاء الشرط، وهو الجملة من قوله٣١ :" فَإنَّ٣٢ لَهٌ مَعِيشَةً " فإنَّ محلها الجزم٣٣، فهي كقراءة :" مَنْ يُضْلِل اللهُ فَلاَ هَادِي لَهُ وَيَذَرْهُم " ٣٤ بتسكين الراء٣٥.
والثاني : أنْ يكون السكون سكون تخفيف ( نحو " يَأْمُرْكُم " ٣٦ وبابه )٣٧.
وقرأت فرقة بياء الغيبة، وهو الله تعالى أو الملك٣٨. وأبان بن تغلب في رواية " وَنَحْشُرُهْ " بسكون الهاء وصلاً٣٩، وتخريجها إما على لغة بني عقيل وبني كلاب٤٠ وإمَّا على إجراء الوصل مجرى الوقف٤١. و " أعْمَى " نصب على الحال٤٢.

فصل


قال ابن عباس : أعمى البصر٤٣. وقال مجاهد والضحاك ومقاتل : أعمى٤٤ عن الحجة، وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس٤٥.
قال القاضي : وهذا ضعيف، لأن في القيامة لا بد أن يُعْلِمهم الله بطلان ما كانوا عليه حتى يتميز٤٦ لهم الحق من الباطل، ومن هذا حاله لا يوصف بذلك إلا مجازاً، ولا يليق بهذا قوله : وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ، ولم يكن٤٧ كذلك في حال الدنيا. ومما يؤيد ذلك أنه تعالى علَّل ذلك العمى بأن المكلف نَسِي الدلائل فلو كان العمى الحاصل في الآخرة عين ذلك النِّسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر٤٨.
١ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١٣٠. بتصرف..
٢ يقع المصدر نعتا كثيرا، وكان حقه أن لا ينعت به لجموده، ولكن وقوعه نعتا قصدا للمبالغة أو توسعا بحذف مضاف، وهو عند الكوفيين على التأويل بالمشتق، ويلزم حينئذ الإفراد والتذكير، نحو رجل عدل، وامرأة عدل، ورجلان عدل، ورجال عدل. قال ابن مالك:
ونـعـتوا بمـصدر كثيرا فالتزموا الإفراد والتذكيرا
انظر شرح الأشموني ٣/٦٤..

٣ وذلك لأن الوقف على النون المنصوب غير المؤنث بالتاء يكون بإبدال التنوين ألفا. انظر التبيان ٢/٩٠٧، البحر المحيط ٦/٢٨٧، شرح التصريح ٢/٣٣٨..
٤ وهي قراءة الحسن. المختصر: (٩٠)، البحر المحيط ٦/٢٨٦..
٥ كقراءة الجمهور في حال الوقف، وهنا بالألف وصلا ووقفا إجراء للوصل مجرى الوقف كما بين ابن عادل..
٦ قال الزجاج: (الضنك أصله في اللغة الضيق والشدة، ومعناه – والله أعلم – أن هذه المعيشة الضنك في نار جهنم. وأكثر ما جاء في التفسير أنه عذاب القبر) معاني القرآن وإعرابه ٣/٣٧٨..
٧ انظر اللسان (ضنك)..
٨ [البقرة: ٦١]..
٩ [المائدة: ٦٦]..
١٠ ما بين القوسين سقط من ب..
١١ [الأعراف: ٩٦]..
١٢ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣٠..
١٣ في الأصل: وأبي. وهو تحريف..
١٤ ما بين القوسين سقط من ب..
١٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣٠..
١٦ الضريع: نبت يقال له الشبرق، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس. اللسان (ضرع)..
١٧ الزقوم: شجرة غبراء صغيرة الورق مدورتها لا شوك لها، لها كعابر في سوقها كثيرة، ولها وريد ضعيف جدا يجرسه النحل. ونورتها بيضاء، ورأس ورقها قبيح جدا، اللسان (زقم)..
١٨ الحميم: الماء الحار. اللسان (حمم)..
١٩ الغسلين: ما يسيل من جلود أهل النار كالقيح وغيره كأنه يغسل عنهم. اللسان (غسل)..
٢٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣٠- ١٣١..
٢١ في ب: وقال الضحاك وابن عباس..
٢٢ في ب: أسباب..
٢٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣١..
٢٤ في ب: عز وهو تحريف..
٢٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣١..
٢٦ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٧ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣١..
٢٨ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٩ المختصر ٩٠، المحتسب ٢/٦٠، البحر المحيط ٦/٢٨٧..
٣٠ في ب: على نسق. وهو تحريف..
٣١ في ب: من له. وهو تحريف..
٣٢ فإن: سقط من ب..
٣٣ لأنها جواب الشرط الذي في قوله: "ومن أعرض عن ذكري" وكأنه قال: ومن أعرض عن ذكري يعش عيشة ضنكا ونحشره. والعطف على المحل. والعطف على المحل يجوز كما يجوز العطف على اللفظ نحو ليس زيد بقائم ولا قاعدا بالنصب، وله عند المحققين ثلاثة شروط: أحدها إمكان ظهوره في الفصيح، ألا ترى أنه يجوز في المثال السابق أن تسقط الباء فتنصب، فعلى هذا لا يجوز مررت بزيد وعمرا خلافا لابن جني، لأنه لا يجوز مررت زيدا. ولا تختص مراعاة الموضع بأن يكون العامل في اللفظ زائدا كما مثلنا، بدليل قوله: فإن لم نجد من دون عدنان والدا... ودون معد فلتزعك العواذل فـ (دون معد) منصوب، وهو معطوف على محل (من دون عدنان) وظهر النصب في المعطوف، لأن العامل وهو (وجد) كما يتعدى إلى ثاني مفعوليه بـ (من) يتعدى إليه بنفسه.
الثاني أن يكون الموضع بحق الأصالة، فلا يجوز هذا ضارب زيدا وأخيه، لأن الوصف المستوفي لشروط العمل الأصل إعماله لا إضافته لالتحاقه بالفعل.
الثالث وجود المحرز، أي الطالب لذلك المحل، وهذا الشرط اشترطه بعض البصريين، ولم يشترطه الكوفيون. وانظر المحتسب ٢/٢٨٧، المغني ٢/٤٧٣ – ٤٧٦..

٣٤ [الأعراف: ١٨٦]..
٣٥ وهي قراءة حمزة والكسائي. "ويذرهم" على هذه القراءة معطوف على محل قوله: "فلا هادي له" فهو في محل جزم لأنه جواب الشرط. انظر السبعة (٢٩٩) الكشف ١/٣٨٠..
٣٦ من قوله تعالى: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة [البقرة: ٦٧] وذلك لأنهم كرهوا أن يتوالى في كلامهم في كلمة واحدة أربع متحركات أو خمس ليس فيهن ساكن. وقرأ بالتخفيف أبو عمرو. وانظر الكتاب ٤/٢٠٢، السبعة ١٥٥..
٣٧ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٨ انظر البحر المحيط ٦/٢٨٧..
٣٩ المختصر (٩٠) الكشاف ٢/٤٥١، البحر المحيط ٦/٢٨٧..
٤٠ فإنهم يسكنون مثل هذه الهاء. البحر المحيط ٦/٢٨٧..
٤١ انظر الكشاف ٢/٤٥١..
٤٢ من الهاء في "نحشره" التبيان ٢/٩٠٧..
٤٣ انظر البغوي ٥/٤٦٦..
٤٤ أعمى: سقط من ب..
٤٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣١..
٤٦ في الأصل: يميز..
٤٧ في ب: إن لم يكن. وهو تحريف..
٤٨ انظر الفخر الرازي ٢٢/١٣١..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية