تمهيد :
تأتي قصة موسى، بعد مطلع سورة طه، وفي هذا المطلع بيان : لعظمة الحق سبحانه، وعظيم ملكه وسلطانه، وفي قصة موسى جانب من هذا الفضل والحنان، والاصطفاء لموسى، وتسجيل لجهاده وصبره أمام عناد فرعون، وفي هذا القصص تثبيت لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم، وإيناس له، ودعوة له إلى الصبر كما صبر المرسلون قبله، قال تعالى : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل... ( الأحقاف : ٣٥ )، وقال عز شأنه : وكلا نقص عليك من أنبياء الرسل ما نثبت به فؤادك . ( هود : ١٢٠ ).
المفردات :
أكاد أخفيها : أبالغ في إخفائها ولا أظهرها.
التفسير :
١٥- إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى .
إن الساعة قادمة لا محالة، والموت قادم ما في ذلك شك ؛ كل نفس ذائقة الموت... ( آل عمران : ١٨٥ ).
وقد أخفى الله الساعة ومعرفة الأجل ؛ حتى يجتهد الإنسان، ويعمل الأعمال الصالحة ؛ وهو مطلق السراح في هذه الدنيا فيكون الجزاء عادلا، ولو علم الناس وقت موتهم، فربما أسرفوا في الشهوات في حياتهم، ثم تابوا واستقاموا قبل موتهم ؛ لذلك أخفى الله علم الساعة، وميعاد الموت ؛ وإن كانت هناك النذر مثل الشيب، وكبر السن، والمرض، وموت الأقران، وقد يأتي الموت فجأة، قال تعالى : وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير . ( لقمان : ٣٤ ). وقال بعض المفسرين :
إن الساعة قادمة وحاصلة لا محالة أكاد أخفيها عن نفسي، فكيف أطلعكم عليها.
قال المبرد :
وهذا على عادة العرب، فإنهم يقولون إذا بالغوا في كتمان الشيء : كتمته حتى من نفسي، أي : لم أطلع عليه أحدا.
قال الطبري في تفسير الآية :
والذي هو أولى بتأويل الآية من القول، قول من قال : معناه : أكاد أخفيها من نفسي ؛ لأن المعروف من معنى الإخفاء في كلام العرب الستر، يقال : أخفيت الشيء ؛ إذا سترته، وإنما اخترنا هذا القول على غيره ؛ لموافقته أقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين.
وجاء في تفسير ابن كثير ما يأتي :
قال ابن عباس :
أكاد أخفيها . أي : لا أطلع عليها أحدا غيري، وقال السدي : ليس أحد من أهل السماوات والأرض إلا قد أخفى الله عنه علم الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود ( إني أكاد أخفيها من نفسي ) يقول : كتمتها من الخلائق، حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي فعلت.
قال قتادة : لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين، ومن الأنبياء والمرسلين، قلت : وهذا كقوله تعالى قل لا يعلم من في السماوات الغيب إلا الله... ( النمل : ٦٥ ). وقال تعالى : ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة... الأعراف : ١٨٧ ). أي : ثقل علمها على أهل السماوات والأرض.
لتجزي كل نفس بما تسعى ؛ لتنال كل نفس جزاء ما عملت من خير أو شر، قال تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره . ( الزلزلة : ٨، ٧ ).
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة