ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬ

ومجاهد قال: (إذا صلى عبد ذكر ربه) (١). واختاره ابن قتيبة فقال: (لتذكرني فيها) (٢).
١٥ - قوله تعالى: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا قال أكثر المفسرين: (أخفيها من نفسي)، وهذا قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء بن السائب (٣). وهذا التفسير موافق لما روي: أن في مصحف أبي: (أكاد أخفيها من نفسي) (٤)، (فكيف يعلمها مخلوق)، وفي بعض القراءات: (أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها) (٥).
قال أبو إسحاق: (والله أعلم بحقيقة هذا التفسير) (٦). وكأنه لم يعلم (معنى) (٧) هذا، وعلمه قطرب، والمبرد، وابن الأنباري، قال قطرب: (هذا على عادة مخاطبة العرب بعضهم بعضًا، إذا بالغوا في كتمان السر: كتمته حتى من نفسي، والمعنى لم أطلع عليه أحدًا) (٨). وأنشد (٩):

(١) "جامع البيان" ١٦/ ١٤٨، "النكت والعيون" ٣/ ٣٩٧، "معالم التنزيل" ٥/ ٢٦٧، "الدر المنثور" ٤/ ٥٢٤.
(٢) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ٢/ ٨.
(٣) "جامع البيان" ١٦/ ١٤٩، "بحر العلوم" ٢/ ٣٣٨، "النكت والعيون" ٣/ ٣٩٧، "معالم التنزيل" ٥/ ٢٦٧، "زاد المسير" ٥/ ٢٧٥.
(٤) "بحر العلوم" ٢/ ٣٣٨، "النكت والعيون" ٣/ ٣٩٧، "معالم التنزيل" ٥/ ٢٦٧، "الكشاف" ٢/ ٥٣٢، "زاد المسير" ٥/ ٢٧٦.
(٥) "معالم التنزيل" ٥/ ٢٦٧، "الكشاف" ٢/ ٥٣٢، "الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ١٨٥، "الكشف والبيان" ٣/ ١٦.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٣٥٢.
(٧) زيادة من (ص).
(٨) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" ٥/ ٢٧٦، والقرطبي ١١/ ١٨٥.
(٩) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" ٣/ ١٦ ب بدون نسبة، وكذلك القرطبي في =

صفحة رقم 372

أيامَ تَصْحَبني هِنْد وَأخبرُها ما أكتم النَّفْسَ مِنْ حَاجِي وأَسْرَارِي
أي: أخبرها بما لا أطلع عليه أحدًا، هذا معناه.
وقال المبرد: (هذا مستعمل في الكلام وجار على الأفواه أن يقول القائل -إذا أراد أن يستر شيئًا سترًا شديدًا-: أنا أسر هذا من نفسي، وأكاد أسره من نفسي. أي: أقارب ذلك، فيأتي على جهة المثل، وعلى المبالغة في ستر الشيء) هذا كلامه (١). وعلى هذا معنى الآية: إن الله تعالى بالغ في إخفاء الساعة، فذكره بأبلغ ما تعرفه العرب في مثله. وهذا موافق لما قال ابن عباس في تفسيره: (قد أخفها من الملائكة يقول: لا أظهر عليها أحداً). قاله في رواية سعيد بن جبير والوالبي (٢).
والمعنى: أنه لم يطلع على وقت قيام الساعة ملكًا مقربًا، ولا نبيًا، حتى لو جاز أن يخفيه عن نفسه أخفاها.
قال ابن الأنباري: (والمعنى في إخفائها التهويل والتخويف؛ لأن الناس إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة كانوا على حذر منها كل وقت) (٣). هذا معنى قول المفسرين في هذه الآية (٤). وكاد -على قولهم- للمقاربة.
= "الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ١٨٥، وذكره "البحر المحيط" ٦/ ٢٣٣ بدون نسبة بلفظ:
أيام تصحبني هند وأخبرها ما كدت أكتمه عني من الخبر
(١) ذكرته كتب التفسير. انظر: "زاد المسير" ٥/ ٢٧٦، "البحر المحيط" ٦/ ٢٣٣، "مجمع البيان" ٧/ ١١، "فتح القدير" ٣/ ٥١٣.
(٢) "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٦٠، "الجامع لأحكام القرآن" ١١/ ١٨٥، "الدر المنثور" ٤/ ٥٢٥.
(٣) ذكرته كتب التفسير. انظر: "المحرر الوجيز" ١٠/ ١٥، "زاد المسير" ٥/ ٢٧٦، "البحر المحيط" ٦/ ٢٣٣.
(٤) "جامع البيان" ١٦/ ١٤٩، "النكت والعيون" ٣/ ٣٩٧، "المحرر الوجيز" ١٠/ ٥.

صفحة رقم 373

ولأهل المعنى وجوه من التأويل، قال ابن الأنباري وهو قول الأخفش: (أَكَادُ أُخْفِيهَا: أريد أخفيها) (١).
وعلى هذا أَكَادُ لا يكون للمقاربة، ولا يحتاج أن يقال: من نفسي، يقول الله تعالى: أريد إخفاء الساعة.
قال أبو بكر: (ويجوز أن يكون أَكَادُ مزيدًا للتوكيد فيكون المعنى: إن الساعة آتية أخفيها) (٢). ونذكر جواز زيادة كاد عند قوله: لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا [النور: ٤٠]، إن شاء الله.
وقال قطرب: (يقال: أخفيت الشيء: إذا كتمته، وأخفيته: إذا أظهرته، كما يقال: أسررت الشيء بالمعنيين) (٣).
وذكر أبو عبيد: أخفيت بالمعنيين جميعًا (٤).
وهذا أيضًا مذهب أبي عبيدة في هذه الآية قال: (أخفيها أظهرها) (٥). واحتج بقول الشاعر (٦):

فَإِنْ تَكْتِمُوا الدَّاءَ لاَ نُخْفِهِ وَإِنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لاَ نَقْعُدِ
رواه بضم النون، وغيره يرويه بفتحها من خفاء إذا أظهر.
وقال أبو الفتح الموصلي: (أَكَادُ أُخْفِيهَا تأويله عند أهل النظر:
(١) و (٢) "الأضداد" لابن الأنباري ص ٩٧.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (خفي) ١/ ١٠٧٠، "لسان العرب" (خفا) ٢/ ١٢١٦.
(٤) "تهذيب اللغة" (خفى) ١/ ١٠٧٠.
(٥) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ١٦.
(٦) البيت لامرئ القيس. انظر: "ديوانه" ١/ ١٠٧٠، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ١٧، "الأضداد" لابن الأنباري ص ٩٦، "تهذيب اللغة" (خفى) ١/ ١٠٧٠، "لسان العرب" (خفا) ٢/ ١٢١٦.

صفحة رقم 374

أكاد أظهرها. وتلخيص هذه اللفظة: أكاد أزيل عنها خفاها، وخفاء كل شيء: غطاؤه، من ذلك خفاء القِرْبة للكساء الذي يكون عليها. وأَفْعلت يأتي والمراد به السَّلْب والنفي، كقولهم: أَعْجَمْت الكتاب وأَشْكَلته أي: أزلت عجمته وإشكاله، وأَشْكيته أزلت ما يشكوه) (١).
وهذا الذي ذهبوا إليه في معنى الآية يوافق قول ابن عباس في رواية عطاء قال: (يريد: أكاد أظهرها) (٢). وعلى هذا معنى الآية: إن الله تعالى أخبر عن إرادته إظهار الساعة كما قال: لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ [الأعراف: ١٨٧]. غير أن هذا المعنى أصح في قراءة من قرأ: (أَخفيها) بفتح الألف (٣)؛ لأن كلام العرب الجيد: خفيت الشيء: أظهرته، وأخفيته: سترته.
قال الأزهري: (هذه اللغة الجيدة) (٤). وقد روي: خفيت بالمعنيين المتضادين، كما روى أخفيت، وكتاب الله تعالى يفسر بأفصح اللغات. وروي عن بعض أهل اللغة في هذه الآية وجه آخر وهو أن المعنى: الساعة آتية أكاد، وتم الكلام هاهنا (٥). والمعنى: أكاد أن آتي بها، ثم ابتدأ فقال:

(١) "سر صناعة الإعراب" ١/ ٣٨
(٢) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" ١٦/ ١٤٩، "الكشف والبيان" ٣/ ١٦ ب، "بحر العلوم" ٣/ ٣٣٨، "المحرر الوجيز" ١٠/ ١٥، "زاد المسير" ٥/ ٢٧٧، "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ١٦٠.
(٣) قرأ سعيد بن جبير: (أكاد أخفيها) بفتح الألف.
انظر: "جامع البيان" ١٦/ ١٥٠، "الكشاف" ٢/ ٤٣٠، "تهذيب اللغة" (خفى) ١/ ١٠٧٠، "المحتسب" ٢/ ٤٧.
(٤) "تهذيب اللغة" (خفي) ١/ ١٠٧٠.
(٥) "جامع البيان" ١٦/ ١٥٢، "النكت والعيون" ٣/ ٩٧٣، "المحور الوجيز" ١٠/ ١٥، "المكتفى في الوقف والابتداء" ص ٣٧٩.

صفحة رقم 375

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية