ﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩ

لأنهم إن ألقوا سحرهم كانت للعصا مهمة حين يلقيها موسى، فأراد أن يكون للعصا حركة بعد أن تنقلب إلى ثعبان أو حية أو جان، وإلا لو ألقى هو أولا، فماذا سيكون عملها ؟
وقد ألهم الله تعالى سحرة فرعون هذا الأدب في معركتهم مع موسى، فخيروه بين أن يلقي هو، أو يلقوا هم، والله – تبارك وتعالى – يحول بين المرء وقلبه. فألهمهم ذلك مع أنهم خصومه، وأنطقهم بما يؤيد صاحب المعجزة الخالدة، فقالوا : إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ( ٦٥ ) ( طه ).
وقد اختار موسى – عليه السلام – أن يلقي أخيرا ؛ لأن التجربة التي مر بها في طوى مع ربه – عز وجل – لما قال له ربه : قال ألقها يا موسى ( ١٩ ) ( طه ).
فلما ألقى موسى عصاه انقلبت إلى حية تسعى ورأى هو حركتها، لكن لم يكن بهذه التجربة شيء تلقفه العصا، فإذا ألقى موسى أولا وتحولت العصا حية أو ثعبانا، فما الفرق بينها وبين حبال السحرة التي تحولت أمامهم إلى حيات وثعابين ؟
إذن : لا بد من شيء يميز عصا موسى كمعجزة عن سحر السحرة وشعوذتهم ؛ لذلك اختار موسى أن يلقي هو آخرا بإلهام من الله حتى تلقف عصاه ما يأفكون، فما يلقف لا بد أن يسبق ما يلقف.
فمن حيث الحركة أمام الناظرين لا فرق بين عصا موسى وحبال السحرة وعصيهم، فكلها تتحرك، إنما تميزت عصا موسى بأنها تلقف ما يصنعون من السحر، وتتبع حبالهم وعصيهم، وتقفز هنا وهناك، فلها – إذن – عين تبصر، ثم تلقف سحرهم في جوفها، ومع ذلك تظل كما هي لا تنتفخ بطنها مثلا، وهذا هو موضع المعجزة في عصا موسى عليه السلام١.
وقوله تعالى : فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ( ٦٦ ) . ( طه ) إذن : فحركة العصى والحبال ليست حركة حقيقية، إنما هي تخيل يخيل إليه.. ( ٦ ) ( طه ) : فيراها تسعى، وهي ليست كذلك.
وقد قال تعالى عن هؤلاء السحرة : سحروا أعين الناس.. ( ١١٦ ) ( الأعراف ) فجاءوا بأعمال تخيلية خادعة بأي وسيلة كانت، فالبعض يقول مثلا : إنهم وضعوا بها الزئبق، فلما حميت عليه الشمس تمدد، فصارت الأشياء تتلوى وتتحرك، فأيا كانت وسائلهم فهي مجرد تخيلات، أما الساحر نفسه فيراها حبالا على حقيقتها.
وهذا هو الفرق بين سحر السحرة، ومعجزة عصا موسى.
والسحر يختلف عن الحيل التي تعتمد على خفة الحركة والألاعيب والخدع، فالسحر أقرب ما يكون إلى الحقيقة في نظر الرائي، كما قال تعالى : واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر.. ( ١٠٢ ) ( البقرة ).
إذن : هو فن يتعلم، يعطي التخييل بواسطة تسخير الجن، فهم الذين يقومون بكل هذه الحركات، فهي – إذن – ليست حيلا ولا خفة حركة، إنما هي عملية لها أصول وقواعد تدرس وتتعلم.
والخالق – عز وجل – حينما يعرض علينا قضية السحر، وأنه عبارة عن تسخير الشياطين لخدمة الساحر، ويجعل لكل منهما القدرة على مضرة الآخرين : الساحر بالسحر، والشياطين بما لديهم من قول التشكل في الأشكال المختلفة والنفاذ من الحواجز ؛ لأن الجن خلقوا من النار، والنار لها شفافية تنفذ خلال الجدار مثلا.
أما الإنسان فخلق من الطين، والطين له كثافة، وضربنا مثلا لنقرب هذه المسألة، قلنا : هب أنك تجلس خلف جدار، ووراء هذا الجدار تفاحة مثلا وهي من الطينية المتجمدة، أيصل إليك من التفاحة شيء ؟ إنما هو خلف الجدار نار فسوف تشعر من خلال الجدار بحرارتها. هذه – إذن – خصوصيات جعلها الخالق عز وجل للشياطين فضلا عن أنهم يرونكم من حيث لا ترونهم.
لكن، كان من لطف القدير بنا أن جعل لنا ما يحمينا من الشياطين، فجعل الحق – تبارك وتعالى – الجن حين يتشكلون في الأشكال المختلفة تحكمهم هذه الأشكال، بمعنى لو أن الشيطان تشكل لك في صورة إنسان فقد حكمته هذه الصورة، فلو أطلقت عليه الرصاص في هذه اللحظة لقتلته فعلا.
لذلك ؛ فالشيطان يخاف منك أكثر مما تخاف منه، ولا يظهرون لنا إلا ومضة ولمحة سريعة خوفا أن يكون الرائي له علم بهذه المسألة فيمسك به وساعتها لن يفلت منك.
وقد أمسك النبي صلى الله عليه وسلم شيطانا وقال٢ :( لقد هممت أن أربطه بسارية المسجد، يلعب به غلمان المدينة، إلا أنني ذكرت دعوة أخي سليمان : هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي.. ( ٣٥ ) ( ص ) ).
إذن : الحق سبحانه أعطاهم خصوصية التشكل كما يحبون، إنما قيدهم بما يتشكلون به، كأنه يقول له : إذا تركت طبيعتك وتشكلت بصورة أخرى فارض بأن تحكمك هذه الصورة، وأن يتحكم فيك الأضعف منك، وإلا لفزعوا الناس وأرهبوهم، ولم نسلم من شرهم.
وكذلك الحال مع الساحر نفسه، فلديه بالسحر والطلاسم أن يسخر الجن يفعلون له ما يريد، وهذه خصوصية تفوق بها قدرته قدرة الآخرين، ولديه بالسحر فرصة لا تتوفر لغيره من عامة الناس، فليس بينه وبينهم تكافؤ في الفرص.
والله عز وجل يريد لخلقه أن تتكافأ فرصهم في حركة الحياة فيقول للساحر : إياك أن تفهم أن ما يسرته لك من تسخير الأقوى منك ليقدر على ما لا تقدر عليه يفيدك بشيء، أو أنك أخذت بالسحر فرصة على غيرك، بل العكس هو الصحيح فلن تجني من سحرك إلا الضرر والشقاء، فالسحر فتنة للإنسان، كما أنه فتنة للجن.
لذلك يقول تعالى : وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر.. ( ١٠٢ ) ( البقرة )
والفتنة هنا معناها أن نختبر استعماله لمدى ما أعده الله له، أيستعمله في الخير أم في الشر ؟ فإن قلت : أتعلم السحر لأستعمله في الخير : نقول : هذا كلامك ساعة التحمل. ولا تضمن نفسك ساعة الأداء. كما قلنا سابقا في تحمل الأمانة حين تقبلها ساعة التحمل، وأنت واثق من قدرتك على أدائها في وقتها، ومطمئن إلى سلامة نيتك في تحملها، أما وقت الأداء فربما يطرأ عليك ما يغير نيتك.
وكما جاء في قول الحق تبارك وتعالى : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ( ٧٢ ) ( الأحزاب ).
فاخترن التسخير على الاختيار وحمل الأمانة ؛ لأنهن لا يضمن القيام بها.
وقد أعذر الله تعالى إلى السحرة في قوله : وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر.. ( ١٠٢ ) ( البقرة ).
كأن الساحر مآله إلى الكفر ؛ لأنه ابن أهواء وأغيار، لا يستطيع أن يتحكم في نفسه فيسخر قوة السحر في الخير، كما أن الله تعالى إذا أراد أن يسخر القوي للخير : أيسخر الطائع ؟ أم يسخر العاصي ؟ سيسخر الطائع، والجن الطائع لا يرضى أبدا بهذه المسألة.
إذن : لن يستطيع الساحر إلا تسخير الجن العاصي، كما قال تعالى : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم.. ( ١٢١ ) ( الأنعام ).
لذلك نلاحظ أن كل الذين يشتغلون بهذه العملية على سمتهم الغضب، وعلى سحنتهم آثار الذنوب وشؤمها، ينفر منهم من رآهم، يعيشون في أضيق صور العيش، فترى الساحر يأخذ من هذا، ويأخذ من هذا، ويبتز الناس ويخدعهم، ومع ذلك تراه شحاذا يعيش في ضيق، ويموت كافرا مبعدا من رحمة الله حتى أولاده من بعده لا يسلمون من شؤمه، وصدق الله العظيم حين قال : وأنه كان رجال من الإنس يعوذون٣برجال من الجن فزادوهم رهقا ( ٦ ) ( الجن ).
كما أن في حياة السحرة لفتة، يجب أن نلتفت إليها، وهي أن السحرة الذين يصنعون السحر للناس ويخدعونهم : من أين يرتزقون ؟ من عامة الناس الذين لا يفهمون في السحر شيئا، ولو أنه أفلح بالسحر لأغنى نفسه عن أن تمتد يده إلى هذا، فيأخذ منه عدة جنيهات، وإلى هذا يطلب منه أشياء غريبة يوهمه أن مسألته لن تحل إلا بها.
ولماذا لم يستخدم سحره في سرقة خزينة مثلا ويريح نفسه من هذا العناء، وإن قال : كيف وهي أموال الناس والسطو عليها سرقة، فليذهب إلى الركاز٤وكنوز الأرض فليست مملوكة لأحد.
نعود إلى سحرة فرعون ؛ أيا كان سحرهم أمن نوع الألاعيب وخفة الحركة وخداع الناظرين ؟ أم من نوع السحر الذي علمته الشياطين من زمن سليمان – عليه السلام – فهو سحر لن يقف أمام معجزة باهرة جاءت على يد موسى لإثبات صدقه.

١ قال محمد بن إسحاق: جعلت – العصا – تتبع تلك الحبال والعصي واحدة واحدة، حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا، ثم أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت، ذكره ابن كثير في تفسيره (٢ / ٢٣٧)..
٢ حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٤٢٣)، وكذا مسلم في صحيحه (٥٤١) كتاب المساجد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وتمامه: (إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان (رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي))..
٣ قال السدي: كان الرجل يخرج بأهله فيأتي الأرض فينزلها فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من الجن أن أضر أنا فيه أو مالي أو ولدي أو ماشيتي، قال ابن كثير في تفسيره (٤ / ٤٢٨): (فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم زادوهم رهقا أي خوفا وإرهابا وذعرا حتى بقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذا بهم)..
٤ الركاز: ما في الأرض من المعادن في حالتها الطبيعية. (المعجم الوجيز – مادة: ركز) وذهب أحمد بن حنبل إلى أنه كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها، مما له قيمة مثل: الذهب والفضة والحديد والنحاس والقار والنفط ونحو ذلك. ودليل وجوب الزكاة في الركاز قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (في الركاز الخمس) أي ٢٠% راجع: فقه السنة (١ / ٣٥٤ – ٣٥٧)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير