قوله : فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ قال أبُو مسلم : يزعم رواة اللغة أنَّ " أتْبَعَهُمْ وتَبعَهُمْ " واحد، وذلك جائز(١) ويحتمل أن تكون الباء زائدة، أي أتبَعَهُم فرعونُ جنوده(٢) كقوله : لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي (٣) ( أسْرَى بِعَبْدِهِ )(٤) (٥) (٦).
وقال غيره(٧) : في بَاء " بجنوده " أوجه :
أحدها(٨) : أن تكون الباء للحال، وذلك على أن " أَتْبَعَ " متعد(٩) لاثنين حذف ثانيهما، والتقدير : فَأتْبَعَهُمْ فرعونُ عقابَه(١٠)، وقدَّره أبو حيَّان : رُؤَسَاءَه وحشَمَهُ(١١).
قال شهاب الدين : والأول أحسن(١٢).
والثاني(١٣) : أن الباءَ زائدة في المفعول الثاني(١٤). والتقدير : فَأتْبَعَهُمْ فِرعون جنوده، كقوله تعالى : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ (١٥).
(. . . ***. . . لاَ يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ(١٦) )(١٧)
وأتبع قد جئتها متعدياً(١٨) لاثنين مصرح بهما قال تعالى : وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَاتِهِمْ(١٩).
والثالث(٢٠) : أنها معدية(٢١) على أن " أتْبَعَ "، قد يتعدى لواحد بمعنى(٢٢) تَبع ويجوز على هذا الوجه(٢٣) أن تكون الباء للحال أيضاً، بل هو الأظهر. وقرأ أبو عمرو في رواية والحسن " فاتْبَعَهُمْ " بالتشديد، وكذلك قراءة الحسن في جميع القرآن إلا في قوله : فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (٢٤) قوله : مَا غَشِيَهُمْ (٢٥) فاعل " غَشِيَهُمْ " (٢٦) وهذا من باب الاختصار وجوامع الكلم أي(٢٧) : ما يقل لفظها ويكثر معناها، أي فَغَشِيَهُمْ مَا لا يعلم كنهه إلا الله تعالى(٢٨) وقراءة الأعمش " فَغَشَّاهُمْ " مضعَّفاً(٢٩)، وفي الفاعل حينئذ(٣٠) ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه " مَا غَشَاهُمْ " كالقراءة قبله، أي غطَّاهم من اليَمِّ ما غطَّاهُم.
والثاني(٣١) : هو ضمير الباري تعالى. أي : فَغَشَّاهُم(٣٢) الله.
والثالث(٣٣) : هو ضمير فرعون، لأنه السبب في إهلاكهم(٣٤).
وعلى هذين الوجهين : ف " مَا غَشَّاهُمْ " في محل نصب مفعولاً ثانياً(٣٥).
فصل
قيل(٣٦) : أمرَ فرعونُ جنوده أن يَتْبَعُوا(٣٧) موسى وقومه(٣٨)، وكان هو فيهم " فَغَشِيَهُمْ " أصابهم " مِنَ اليَمِّ مَا غَشِيَهُمْ "، وهو الغرق.
وقيل :" غَشِيَهُمْ "، علاهم وسترهم(٣٩) مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ يريد بعض ماء اليم لا كلّه.
وقيل : غَشِيَهُم من اليَمِّ ما غشي(٤٠) قوم موسى فغرقوا هم ونَجَا موسى وقومه(٤١).
٢ وهي زائدة في المفعول الثاني، وذلك على أن أتبع يتعدى إلى اثنين. فتكون الهمزة هي المعدية..
٣ من قوله تعالى: قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي [طه: ٩٤]..
٤ من قوله تعالى: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى [الإسراء: ١]..
٥ الفخر الرازي ٢٢/٩٣..
٦ ما بين القوسين سقط من ب..
٧ في ب: وقال بعضهم..
٨ في ب: الأول..
٩ في ب: متعدي..
١٠ انظر التبيان ٢/١٥١، والتبيان ٢/٨٩٩..
١١ انظر البحر المحيط ٦/٢٦٤..
١٢ الدر المصون ٥/٣٤..
١٣ في ب: الثاني..
١٤ انظر البحر المحيط ٦/٢٦٤..
١٥ في ب: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [البقرة: ١٩٥]. لأن الباء زائدة يقال: ألقى يده، وألقى بيده. انظر التبيان ١/١٥٩..
١٦ جزء من بيت من بحر البسيط يروى لشاعرين متعاصرين: أحدهما الراعي النميري، والآخر القتال الكلابي. وتمامه:
هـنّ الحرائر لا ربّات أخمرة *** سود المحاجر لا يقرأن بالسور
والبيت في مجالس ثعلب ١/٣٠١، المخصص ١٤/٥٧٠، ابن يعيش ٨/٢٣، المغني ١/٢٩، ١٠٩، ٢/٦٧٥، وشرح شواهده ١/٩١، ٣٣٦، والخزانة ٩/١٠٧..
١٧ ما بين المعقوفين سقط من ب..
١٨ في ب: وقد أتبع قد يجيء متعديا. وهو تحريف..
١٩ من قوله تعالى: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم [الطور: ٢١] وأتبعناهم ذرياتهم قراءة أبي عمرو السبعة ٦١٢..
٢٠ في ب: الثالث..
٢١ في ب: متعدية..
٢٢ انظر التبيان ٢/٨٩٩. فيكون تعدى إلى الثاني بواسطة الباء..
٢٣ الوجه: سقط من ب..
٢٤ هي رواية أبي عبيد. انظر السبعة ٤٣٢، تفسير ابن عطية ١٠/٦٣..
٢٥ [الصافات: ١٠]. وانظر البحر المحيط ٦/٢٦٤..
٢٦ انظر البحر المحيط ٦/٢٦٤..
٢٧ في النسختين: إلى. والصواب ما أثبته..
٢٨ انظر الكشاف ٢/٤٤٢..
٢٩ المختصر: ٨٨، والبحر المحيط ٦/٢٦٤..
٣٠ في ب صفة وهو تحريف..
٣١ في ب: وثانيها..
٣٢ في ب وغشاهم..
٣٣ في ب: وثالثها..
٣٤ والأوجه الثلاثة في الفاعل في الكشاف ٣/٤٤٢..
٣٥ لأن الفعل قد استوفى فاعله..
٣٦ من هنا نقله ابن عادل من تفسير البغوي ٥/٤٤٧..
٣٧ في ب: أن يتبعهم. وهو تحريف..
٣٨ في ب: وقوله. وهو تحريف..
٣٩ في ب: وقيل: غشاهم وسترهم..
٤٠ في ب: غشاهم من اليم بل غشى. وهو تحريف..
٤١ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٤٤٧..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود