فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ أتبع هنا مطاوع تبع، يقال : أتبعتهم : إذا تبعتهم، وذلك إذا سبقوك فلحقتهم، فالمعنى : تبعهم فرعون ومعه جنوده. وقيل : الباء زائدة والأصل أتبعهم جنوده، أي أمرهم أن يتبعوا موسى وقومه، وقرئ «فاتبعهم » بالتشديد أي لحقهم بجنوده وهو معهم كما يقال : ركب الأمير بسيفه، أي معه سيفه، ومحل بجنوده النصب على الحال، أي : سائقاً جنوده معه فَغَشِيَهُمْ منَ اليم مَا غَشِيَهُمْ أي علاهم وأصابهم ما علاهم وأصابهم، والتكرير للتعظيم والتهويل كما في قوله : الحاقة * مَا الحاقة [ الحاقة : ١ ٢ ]. وقيل : غشيهم ما سمعت قصته. وقال ابن الأنباري : غشيهم البعض الذي غشيهم ؛ لأنه لم يغشهم كل ماء البحر، بل الذي غشيهم بعضه. فهذه العبارة للدلالة على أن الذي غرقهم بعض الماء، والأوّل أولى لما يدل عليه من التهويل والتعظيم. وقرئ :( فغشاهم من اليمّ ما غشاهم ) أي : غطاهم ما غطاهم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس لاَ تخاف دَرَكاً من آل فرعون وَلاَ تخشى من البحر غرقاً. وأخرجا عنه أيضاً في قوله : فَقَدْ هوى شقي. وأخرجا عنه أيضاً : وَإِنّي لَغَفَّارٌ لمَن تَابَ قال : من الشرك وَآمَنَ قال : وحد الله وَعَمِلَ صالحا قال : أدّى الفرائض ثُمَّ اهتدى قال : لم يشك. وأخرج سعيد بن منصور والفريابي عنه أيضاً : وَإِنّي لَغَفَّارٌ لمَن تَابَ قال : من تاب من الذنب، وآمن من الشرك، وعمل صالحاً فيما بينه وبين ربه ثُمَّ اهتدى علم أن لعمله ثواباً يجزى عليه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير : ثُمَّ اهتدى قال : ثم استقام، لزم السنّة والجماعة. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة، والبيهقي في الشعب من طريق عمرو بن ميمون عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : تعجل موسى إلى ربه، فقال الله : وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يا موسى الآية، قال : فرأى في ظلّ العرش رجلاً فعجب له، فقال : من هذا يا ربّ ؟ قال : لا أحدثك من هو، لكن سأخبرك بثلاث فيه : كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يعقّ والديه، ولا يمشي بالنميمة. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن عليّ قال : لما تعجل موسى إلى ربه عمد السامريّ فجمع ما قدر عليه من حليّ بني إسرائيل فضربه عجلاً، ثم ألقى القبضة في جوفه فإذا هو عجل جسد له خوار، فقال لهم السامريّ : هذا إلهكم وإله موسى ، فقال لهم هارون : يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً فلما أن رجع موسى أخذ برأس أخيه، فقال له هارون ما قال، فقال موسى للسامريّ : ما خطبك ؟ قال : قَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول فَنَبَذْتُهَا وكذلك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي فعمد موسى إلى العجل، فوضع موسى عليه المبارد فبرده بها وهو على شط نهر فما شرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد ذلك العجل إلا اصفرّ وجهه مثل الذهب، فقالوا لموسى : ما توبتنا ؟ قال : يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وابنه ولا يبالي بمن قتل حتى قتل منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إلى موسى مرهم فليرفعوا أيديهم، فقد غفرت لمن قتل وتبت على من بقي. والحكايات لهذه القصة كثيرة جدّاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : بِملْكِنَا قال : بأمرنا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة : بِملْكِنَا قال : بطاقتنا. وأخرج ابن أبي حاتم عن السديّ مثله. وأخرج أيضاً عن الحسن قال : بسلطاننا. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : هذا إلهكم وإله موسى فَنَسِيَ قال : فنسي موسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني