قَوْلُهُ تَعَالَى : يَوْمَ نَطْوِي السَّمَآءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ؛ قال ابنُ عبَّاس ومجاهدُ :(السِّجِلُّ هُوَ الصَّحِيْفَةُ تُطْوَى بمَا فِيْهَا مِنَ الْكِتَابَةِ) وَاللاَّمُ في قوله (لِلْكُتُبِ) : بمعنى (على)، وقال السديُّ :(هُوَ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بالصُّحُفِ، إذا مَاتَ الإنْسَانُ رُفِعَ كِتَابُهُ إلَيْهِ فَطَوَاهُ). وَقِيْلَ : إن السِّجِلَّ كاتبٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم. ويقالُ : هو الرجلُ بلغة الحبَشَة.
قرأ أبو جعفرٍ :(تُطْوَى السَّمَاءُ) بالتاء، ورفعَ (السَّمَاءُ) على ما لَم يُسَمَّ فاعلهُ. وقرأ أهلُ الكوفة :(لِلْكُتُب) على الجمعِ.
والمرادُ بطَيِّ السَّماءِ أنَّ اللهَ تعالى يَطْوِيْهَا، ثُم يفتحُها ثم يُعيدها، ولذلك قال : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ؛ أي كما بدأناها أوَّلَ مرَّة، نعيدُها إلى الحالةِ الأُولى. ويجوزُ أن يكون معنى قولهِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ نعيدُ الخلقَ للبعثِ كما بدأناهُ في النُّطفةِ، ودليلُ هذا القولِ قَوْلُهُ تَعَالَى : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف : ٢٩].
والطَّيُّ في هذه الآيةِ يحتملُ معنَيين ؛ أحدهما : الدَّرْجُ الذي هو ضِدُّ النَّشْرِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى : وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر : ٦٧]. والثَّانِي : الإخفاءُ والتَّعْمِيَةُ والْمَحْوُ والطَّمسُ ؛ لأن اللهَ تعالى يَمحُو رسُومَها ويُكْدِرُ نُجومَها. وَقِيْلَ : معنى قولهِ تعالى كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ : كما بدأنَاهُم في بطُونِ أمَّهاتِهم حفاةً عُراة غُرْلاً، كذلك نعيدُهم يومَ القيامةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى : وَعْداً عَلَيْنَآ ؛ نُصِبَ على المصدرِ بمعنى : قد وَعَدْنَاهم هذا وَعْداً، قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ؛ ما وعَدْنَاكم مِن ذلك، وَقِيْلَ : فاعلينَ الإعادةَ والبعثَ.
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني