ﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺ

١ السجل : قيل إنه اسم كاتب من كتّاب النبي وقيل : إنه اسم الملك الذي يطوي كتب أعمال الناس وقيل : إنه صحيفة الورق التي يكتب عليها، وأنكر الطبري القولين الأولين وقال : إنه لا سند لهما ورجح القول الثالث وهو الصواب. وتكون الجملة بمعنى كطي الصحيفة التي يكتب عليها الكتب حين ما يريد كاتب أن يكتب، وهذا هو الوجه والصواب فيما هو المتبادر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: يوم نطوي السماء كطي السجل١ للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ( ١٠٤ ) ولقد كتبنا في الزابور٢ من بعد الذكر٣ أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ( ١٠٥ ) إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين ( ١٠٦ ) وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين( ١٠٧ ) [ ١٠٤-١٠٧ ].
في الآية الأولى : وعد يقطعه الله على نفسه بأنه سوف يعيد الخلق ثانية كما بدأهم أول مرة، وإيذان بأنه محقق وعده وقادر عليه، وسيطوي السماء حينئذ كما تطوى صحيفة الورق المعدة للكتابة.
وفي الآية الثانية : إيذان بأن الله قرر في كتبه المنزلة بعدما ذكر الناس وبين لهم طريق الحق والهدى أن الأرض إنما يرثها عباده الصالحون.
وفي الآية الثالثة : تقرير بأن فيما يذكر من ذلك بلاغا كافيا لمن استنار قلبه فآمن وعبد الله وحده.
وفي الآية الرابعة : وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله إنما أرسله ليكون رحمة للعالمين بما يقوم به من تبليغ الناس أوامره ونواهيه، وتوضيح طريق الحق والهدى والدعوة إليه.
وأسلوب الآيات قوي نافذ، وفي الآية الأخيرة معان قوية من التحبيب والثناء والتطمين للنبي، ثم فيها إشارة قوية إلى مدى الرسالة المحمدية، وما توخّى الله فيها من الرحمة الشاملة للعالمين في كل مكان وزمان.
والمتبادر أن طي السماء وتمثيلها بالورقة التي تطوى للكتابة إنما قصد به توكيد قدرة الله، فالناس يستعظمون ما يرونه من مشاهد الكون، وبخاصة السماء ويستعظمون البعث بعد الموت، فكأنما أريد أن يقال لهم بمثل : إن ما تستعظمونه ليس هو بالنسبة إلى قدرة الله إلا شيئا تافها وإن يمثل لهم بمثل يستطيعون فهمه. وهذا المعنى قد تكرر في مواضع كثيرة في صدد القيامة وأحداثها بأساليب متنوعة.
والتنويع دليل على صحة ما نقرره إن شاء الله، وقصد تقرير قدرة الله على ذلك بارز في آية في سورة الزمر فيها عبارة مماثلة وهي : وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ٦٧
ولقد روى ابن كثير عن ابن عباس تأويلا لجملة وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين مفاده أن هذه الرحمة شاملة للمؤمنين وغير المؤمنين فيكون للأولين رحمة في الدنيا والآخرة. أما رحمة الآخرين فتتمثل في المعافاة مما أصاب الأمم السابقة من الخسف والقذف والمسخ والاستئصال، ويتبادر لنا أن في هذا التأويل تكلفا وبخاصة في شقه الثاني، وأن هدف الجملة هو تقرير كون الله قد جعل رسالة رسوله رحمة للعالمين جميعهم بسبيل تقرير ما فيها من هدى والحثّ على الانضواء إليها.
ولقد أورد المفسر نفسه بعض أحاديث نبوية في سياق الجملة منها حديث عزاه إلى مسلم عن أبي هريرة قال :( قيل يا رسول الله ادع على المشركين قال : إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة ). وحديث أخرجه الحافظ ابن عساكر عن أبي هريرة قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أنا رحمة مهداة ). وحديث أخرجه كذلك ابن عساكر عن ابن عمر جاء فيه :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله بعثني رحمة مهداة، بعثت برفع قوم وخفض آخرين ). وصحة الأحاديث محتملة، وينطوي فيها إيذان بمدى مهمة الرسالة النبوية وما فيها من هدى ورحمة للناس، وفي هذا تساوق مع الجملة القرآنية.
تعليق على جملة
أن الأرض يرثها عبادي الصالحون
ولقد تعددت أقوال أهل التأويل من الصدر الإسلامي الأول التي يرويها المفسرون لجملة أن الأرض يرثها عبادي الصالحون منها أنها الجنة الأخروية، ومنها أنها الدنيا أو أنها أرض الكفار التي يفتحها المسلمون، ومنهم من رأى فيها بشرى فوز النبي والمؤمنين على قريش في النهاية، ويلحظ أن الكلام هو في صدد مصائر الناس في الآخرة وتوكيد وعد الله بتحقيق ذلك مما يجعلنا نرجح الاحتمال الأول، ولا سيما إن جملة عبادي الصالحون لا يمكن أن تنصرف إلا إلى عباد الله المؤمنين الموحدين السالكين طريق الحق في حين أن كثيرا ما يتمكن في الأرض أناس غير متصفين بذلك. وفي أوائل سورة( المؤمنون ) التي تأتي بعد هذه السورة آيتان يمكن أن تكونا قرينة على تفسير كلمة يرثها بما يتفق مع الاحتمال الأول وهما : أولئك هم الوارثون ١٠ الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ١١ ، بل وفي سورة الزمر آية أكثر تأييدا لهذا التفسير وهي : وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين ٧٤ وهذه السورة مكية ولم يكن المؤمنون قد انتصروا وصاروا أصحاب السلطان في الأرض.
وبعض الباحثين يستلهمون من هذه الجملة مبدأ اجتماعيا ويقولون : إنها تنطوي على تقرير كون التمكن في الأرض هو من حظ كل شخص أو أمة صالحة سالكة طريق الحق والعدل والخير والتعاون سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين ويستدلون على ذلك بواقع الدنيا من حيث تمكن كثير من الأفراد والأمم من مسلمين وغير مسلمين في الأرض ثروة وطمأنينة وسعادة وحكما وسلطانا حينما يكونون متصفين بذلك، وقد لا يخلو هذا من وجاهة متساوقة فعلا مع واقع الحياة ومن الشرح الذي شرحنا به جملة وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون الآية [ ١١٧ ] من سورة هود. على أن جملة إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين قد تسوغ القول : إن المقصود هنا هم المخلصون لله تعالى في الإيمان والعبادة والعمل الصالح، وهم بعد البعثة المحمدية المسلمون الذين يخلصون دينهم لله ويلتزمون حدود أوامره ونواهيه وأوامر رسوله ونواهيه، ولقد وعدهم الله في آية أخرى بالاستخلاف في الأرض إذا اتصفوا بهذه الصفات وهي :
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون سورة النور الآية [ ٥٥ ] وقد حقق الله لهم وعده فكانوا ورثة الأرض وحكامها في بعض حقبهم وبخاصة في زمن النبي عليه السلام بالنسبة لجزيرة العرب ثم في زمن الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والفاطميين والعثمانيين لشطر عظيم مما كان معروفا من مشارق الأرض ومغاربها، ولسنا نرى تعارضا مع ذلك بين هذا وبين الحكمة الاجتماعية التي تحتمل أن تلهمها الجملة.
وقد يرد أن من واقع الحياة أيضا : أن يكون الظالمون والمجرمون والمنحرفون وغير الصالحين متمكنين في الأرض أفرادا كانوا أم ملوكا أم أمما، ولسنا نرى في هذا ما ينقض تلك الحكمة العامة الملموحة في الآية. وفي القرآن آيات فيها إقرار بذلك الواقع وإلى جانبها آيات كثيرة جدا فيها إيذان بأن الله أهلك بعضهم فورا أو إنه إنما يؤخرهم إلى أجل ثم يأخذهم، ويكون أخذه لهم أليما شديدا أو إنه إنما يملي لهم إملاء، وتنديد بالذين يظنون أن ما هم فيه حظوة من الله وإنذارات قارعة لهم بالعذاب والبلاء في الدنيا والآخرة ووعد بنصر المؤمنين والصالحين مما مر منه أمثلة عديدة في سور سبق تفسيرها. والجملة بعد تنطوي على تقرير كون العاقبة والنصر وإرث الأرض في النهاية هي لهؤلاء مهما كان للأولين من نجاح وتمكن.
تأويل الشيعة للجملة السابقة
واستطراد إلى موضوع المهدي
وما ورد فيه من أحاديث وتعليق عليها.
لقد روى الطبرسي المفسر الشيعي عن أحد الأئمة الاثني عشر أبي جعفر قوله : إن الصالحين في الآية هم المهدي وأصحابه في آخر الزمان، وإن مما يدل على ذلك ما رواه الخاص والعام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلا صالحا من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا ). وروى المفسر حديثا مرويا عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لا يزداد الأمر إلا شدة ولا للناس إلا شحا ولا الدنيا إلا إدبارا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ولا مهدي إلا عيسى ). ثم قال : إن الحديث منقطع وإن بعض رواته متروكون أو مهمولون، وإن الأحاديث في ظهور المهدي صحيحة الأسناد. وساق حديثين واحدا رواه أبو داود عن عبد الله فيه نص الحديث الذي رواه أبو جعفر مع زيادة هي :( وفي رواية يواطئ اسمه اسمي ) ١. وواحدا رواه أبو داود كذلك عن أم سلمة قالت :( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : المهدي من عترتي من ولد فاطمة ). والحديثان واردان في التاج أيضا أولهما معزو إلى أبي داود والترمذي وثانيهما إلى أبي داود والحاكم ٢. وفي هذا المصدر أحاديث أخرى في هذا الصدد. منها حديث رواه الترمذي عن أبي سعيد قال :( خشينا أن يكون بعد نبينا حدث فسألناه فقال : إن في أمتي المهدي يخرج يعيش خمسا أو سبعا أو تسعا قلنا : ما ذاك ؟ قال : سنين قال : فيجيء إليه الرجل فيقول : يا مهديّ أعطني أعطني، فيحمله في ثوبه ما استطاع أن يحمله )٣وحديث رواه أبو داود عن أبي سعيد أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( المهدي مني أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ويملك سبع سنين )٤.
ولقد كانت هذه الأحاديث حافزا لغير واحد من المنتسبين إلى سلالة فاطمة الطاهرة المتسمين باسم محمد – ؛ لأنها هي وحدها التي خلفت ذرية يمكن أن تنتسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم – للخروج من آن لآخر على السلطان الإسلامي القائم أولهم محمد بن عبد الله المسمى بالنفس الزكية الذي خرج باسم المهدي في زمن المنصور ثاني الخلفاء العباسيين وآخرهم محمد بن عبد الله مهدي السودان في أواخر القرن الماضي. كما كانت هذه الأحاديث مددا للشيعة الإمامية الاثني عشرية والسبعية ليعتبروا إمامهم المختفي في الكهف هو المهدي الذي سوف يخرج يوما ويحكم الأرض. ونخشى كثيرا أن يكون الهوى الحزبي قد لعب دوره في هذه المرويات ليتسلح الذي حدثته أو تحدثه نفسه بالخروج على السلطان بها كخبر نبوي يحب الإيمان به أو ليتسلح بها الشيعة الإمامية أو السبعية ؛ ليستمدوا منها الأمل والثبات على عقيدتهم. والله أعلم.



يوم نطوي السماء كطي السجل١ للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ( ١٠٤ ) ولقد كتبنا في الزابور٢ من بعد الذكر٣ أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ( ١٠٥ ) إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين ( ١٠٦ ) وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين( ١٠٧ ) [ ١٠٤-١٠٧ ].
في الآية الأولى : وعد يقطعه الله على نفسه بأنه سوف يعيد الخلق ثانية كما بدأهم أول مرة، وإيذان بأنه محقق وعده وقادر عليه، وسيطوي السماء حينئذ كما تطوى صحيفة الورق المعدة للكتابة.
وفي الآية الثانية : إيذان بأن الله قرر في كتبه المنزلة بعدما ذكر الناس وبين لهم طريق الحق والهدى أن الأرض إنما يرثها عباده الصالحون.
وفي الآية الثالثة : تقرير بأن فيما يذكر من ذلك بلاغا كافيا لمن استنار قلبه فآمن وعبد الله وحده.
وفي الآية الرابعة : وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله إنما أرسله ليكون رحمة للعالمين بما يقوم به من تبليغ الناس أوامره ونواهيه، وتوضيح طريق الحق والهدى والدعوة إليه.
وأسلوب الآيات قوي نافذ، وفي الآية الأخيرة معان قوية من التحبيب والثناء والتطمين للنبي، ثم فيها إشارة قوية إلى مدى الرسالة المحمدية، وما توخّى الله فيها من الرحمة الشاملة للعالمين في كل مكان وزمان.
والمتبادر أن طي السماء وتمثيلها بالورقة التي تطوى للكتابة إنما قصد به توكيد قدرة الله، فالناس يستعظمون ما يرونه من مشاهد الكون، وبخاصة السماء ويستعظمون البعث بعد الموت، فكأنما أريد أن يقال لهم بمثل : إن ما تستعظمونه ليس هو بالنسبة إلى قدرة الله إلا شيئا تافها وإن يمثل لهم بمثل يستطيعون فهمه. وهذا المعنى قد تكرر في مواضع كثيرة في صدد القيامة وأحداثها بأساليب متنوعة.
والتنويع دليل على صحة ما نقرره إن شاء الله، وقصد تقرير قدرة الله على ذلك بارز في آية في سورة الزمر فيها عبارة مماثلة وهي : وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ٦٧
ولقد روى ابن كثير عن ابن عباس تأويلا لجملة وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين مفاده أن هذه الرحمة شاملة للمؤمنين وغير المؤمنين فيكون للأولين رحمة في الدنيا والآخرة. أما رحمة الآخرين فتتمثل في المعافاة مما أصاب الأمم السابقة من الخسف والقذف والمسخ والاستئصال، ويتبادر لنا أن في هذا التأويل تكلفا وبخاصة في شقه الثاني، وأن هدف الجملة هو تقرير كون الله قد جعل رسالة رسوله رحمة للعالمين جميعهم بسبيل تقرير ما فيها من هدى والحثّ على الانضواء إليها.
ولقد أورد المفسر نفسه بعض أحاديث نبوية في سياق الجملة منها حديث عزاه إلى مسلم عن أبي هريرة قال :( قيل يا رسول الله ادع على المشركين قال : إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة ). وحديث أخرجه الحافظ ابن عساكر عن أبي هريرة قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أنا رحمة مهداة ). وحديث أخرجه كذلك ابن عساكر عن ابن عمر جاء فيه :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله بعثني رحمة مهداة، بعثت برفع قوم وخفض آخرين ). وصحة الأحاديث محتملة، وينطوي فيها إيذان بمدى مهمة الرسالة النبوية وما فيها من هدى ورحمة للناس، وفي هذا تساوق مع الجملة القرآنية.
تعليق على جملة
أن الأرض يرثها عبادي الصالحون
ولقد تعددت أقوال أهل التأويل من الصدر الإسلامي الأول التي يرويها المفسرون لجملة أن الأرض يرثها عبادي الصالحون منها أنها الجنة الأخروية، ومنها أنها الدنيا أو أنها أرض الكفار التي يفتحها المسلمون، ومنهم من رأى فيها بشرى فوز النبي والمؤمنين على قريش في النهاية، ويلحظ أن الكلام هو في صدد مصائر الناس في الآخرة وتوكيد وعد الله بتحقيق ذلك مما يجعلنا نرجح الاحتمال الأول، ولا سيما إن جملة عبادي الصالحون لا يمكن أن تنصرف إلا إلى عباد الله المؤمنين الموحدين السالكين طريق الحق في حين أن كثيرا ما يتمكن في الأرض أناس غير متصفين بذلك. وفي أوائل سورة( المؤمنون ) التي تأتي بعد هذه السورة آيتان يمكن أن تكونا قرينة على تفسير كلمة يرثها بما يتفق مع الاحتمال الأول وهما : أولئك هم الوارثون ١٠ الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ١١ ، بل وفي سورة الزمر آية أكثر تأييدا لهذا التفسير وهي : وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين ٧٤ وهذه السورة مكية ولم يكن المؤمنون قد انتصروا وصاروا أصحاب السلطان في الأرض.
وبعض الباحثين يستلهمون من هذه الجملة مبدأ اجتماعيا ويقولون : إنها تنطوي على تقرير كون التمكن في الأرض هو من حظ كل شخص أو أمة صالحة سالكة طريق الحق والعدل والخير والتعاون سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين ويستدلون على ذلك بواقع الدنيا من حيث تمكن كثير من الأفراد والأمم من مسلمين وغير مسلمين في الأرض ثروة وطمأنينة وسعادة وحكما وسلطانا حينما يكونون متصفين بذلك، وقد لا يخلو هذا من وجاهة متساوقة فعلا مع واقع الحياة ومن الشرح الذي شرحنا به جملة وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون الآية [ ١١٧ ] من سورة هود. على أن جملة إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين قد تسوغ القول : إن المقصود هنا هم المخلصون لله تعالى في الإيمان والعبادة والعمل الصالح، وهم بعد البعثة المحمدية المسلمون الذين يخلصون دينهم لله ويلتزمون حدود أوامره ونواهيه وأوامر رسوله ونواهيه، ولقد وعدهم الله في آية أخرى بالاستخلاف في الأرض إذا اتصفوا بهذه الصفات وهي :
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون سورة النور الآية [ ٥٥ ] وقد حقق الله لهم وعده فكانوا ورثة الأرض وحكامها في بعض حقبهم وبخاصة في زمن النبي عليه السلام بالنسبة لجزيرة العرب ثم في زمن الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين والفاطميين والعثمانيين لشطر عظيم مما كان معروفا من مشارق الأرض ومغاربها، ولسنا نرى تعارضا مع ذلك بين هذا وبين الحكمة الاجتماعية التي تحتمل أن تلهمها الجملة.
وقد يرد أن من واقع الحياة أيضا : أن يكون الظالمون والمجرمون والمنحرفون وغير الصالحين متمكنين في الأرض أفرادا كانوا أم ملوكا أم أمما، ولسنا نرى في هذا ما ينقض تلك الحكمة العامة الملموحة في الآية. وفي القرآن آيات فيها إقرار بذلك الواقع وإلى جانبها آيات كثيرة جدا فيها إيذان بأن الله أهلك بعضهم فورا أو إنه إنما يؤخرهم إلى أجل ثم يأخذهم، ويكون أخذه لهم أليما شديدا أو إنه إنما يملي لهم إملاء، وتنديد بالذين يظنون أن ما هم فيه حظوة من الله وإنذارات قارعة لهم بالعذاب والبلاء في الدنيا والآخرة ووعد بنصر المؤمنين والصالحين مما مر منه أمثلة عديدة في سور سبق تفسيرها. والجملة بعد تنطوي على تقرير كون العاقبة والنصر وإرث الأرض في النهاية هي لهؤلاء مهما كان للأولين من نجاح وتمكن.
تأويل الشيعة للجملة السابقة
واستطراد إلى موضوع المهدي
وما ورد فيه من أحاديث وتعليق عليها.
لقد روى الطبرسي المفسر الشيعي عن أحد الأئمة الاثني عشر أبي جعفر قوله : إن الصالحين في الآية هم المهدي وأصحابه في آخر الزمان، وإن مما يدل على ذلك ما رواه الخاص والعام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلا صالحا من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا ). وروى المفسر حديثا مرويا عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لا يزداد الأمر إلا شدة ولا للناس إلا شحا ولا الدنيا إلا إدبارا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ولا مهدي إلا عيسى ). ثم قال : إن الحديث منقطع وإن بعض رواته متروكون أو مهمولون، وإن الأحاديث في ظهور المهدي صحيحة الأسناد. وساق حديثين واحدا رواه أبو داود عن عبد الله فيه نص الحديث الذي رواه أبو جعفر مع زيادة هي :( وفي رواية يواطئ اسمه اسمي ) ١. وواحدا رواه أبو داود كذلك عن أم سلمة قالت :( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : المهدي من عترتي من ولد فاطمة ). والحديثان واردان في التاج أيضا أولهما معزو إلى أبي داود والترمذي وثانيهما إلى أبي داود والحاكم ٢. وفي هذا المصدر أحاديث أخرى في هذا الصدد. منها حديث رواه الترمذي عن أبي سعيد قال :( خشينا أن يكون بعد نبينا حدث فسألناه فقال : إن في أمتي المهدي يخرج يعيش خمسا أو سبعا أو تسعا قلنا : ما ذاك ؟ قال : سنين قال : فيجيء إليه الرجل فيقول : يا مهديّ أعطني أعطني، فيحمله في ثوبه ما استطاع أن يحمله )٣وحديث رواه أبو داود عن أبي سعيد أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( المهدي مني أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ويملك سبع سنين )٤.
ولقد كانت هذه الأحاديث حافزا لغير واحد من المنتسبين إلى سلالة فاطمة الطاهرة المتسمين باسم محمد – ؛ لأنها هي وحدها التي خلفت ذرية يمكن أن تنتسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم – للخروج من آن لآخر على السلطان الإسلامي القائم أولهم محمد بن عبد الله المسمى بالنفس الزكية الذي خرج باسم المهدي في زمن المنصور ثاني الخلفاء العباسيين وآخرهم محمد بن عبد الله مهدي السودان في أواخر القرن الماضي. كما كانت هذه الأحاديث مددا للشيعة الإمامية الاثني عشرية والسبعية ليعتبروا إمامهم المختفي في الكهف هو المهدي الذي سوف يخرج يوما ويحكم الأرض. ونخشى كثيرا أن يكون الهوى الحزبي قد لعب دوره في هذه المرويات ليتسلح الذي حدثته أو تحدثه نفسه بالخروج على السلطان بها كخبر نبوي يحب الإيمان به أو ليتسلح بها الشيعة الإمامية أو السبعية ؛ ليستمدوا منها الأمل والثبات على عقيدتهم. والله أعلم.

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير