(يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)
(يَوْمَ) هذه متعلقة بـ (الْفَزَعُ الأَكبَرُ)، فهو ظرف مبين لنوع الفزع الأكبر، وما يكون فيه من أهوال هائلة إذ تطوى السماء كطي السجل للكتب، ويصح أن تنول إن (يَوْمَ) متعلق بقوله تعالى: (توعَدُونَ) وأميل إلى الأول؛ لأنه مناسب للفزع الأكبر، والطي معناه درج المكتوب، ويتضمن إخفاءه وطمسه أو التعمية أو محوه، والمعنى أن السماء بكواكبها ونجومها تطوى فتنكدر كواكبها وشموسها ونجومها، كما قال تعالى: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)، وكما قال تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)، وكما قال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ...)، و (السِّجِلِّ) هو الصكّ، وأصلها من السَّجْل، وهو الدلو ويقال: ساجل الرجلُ الرجلَ إذا نزع كل واحد دلوا في نظير دلو الآخر، ثم استعير للمكاتبات، وقال تعالى بعد بيان زوال الأرض والسماء في يوم الفزع الأكبر (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نعِيدهُ) أي أننا نطوي السماء ونزلزل الأرض لتغيير الكون، وذلك بالإنشاء أولا، ثم الإزالة، ثم الإعادة كشأننا في بدئنا الخلق ثم إعادته، وهذه العبارة تحمل في نفسها دليل صدقها، وذلك أن من كان قادرا على الابتداء للخلق قادر على إعادته، كما قال: (... كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ...).
(وَعْدَا عَلَيْنَا)
منصوب (وَعْدًا) على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، والمعنى وعدناه وعدا علينا، وأكده سبحانه بهذا المصدر، وبأنه سبحانه وتعالى ألزم به نفسه وأنه صار حقا عليه، والله عز وجل لَا يخلف الميعاد، فلا يمكن أن يخلف وعده، وأكد الوعد مرة أخرى بأنه ينقله من الوعد إلى الفعل، فقال: (إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) أي فاعلون الإعادة حتما، لأنه سبحانه لم يخلق الإنسان عبثا، كما قال سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا
خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)، وقد أكد سبحانه الإعادة بـ (إن) ونسبة الفعل إليه، وهو العزيز الحكيم، وأكده بالجملة الاسمية، وبالتعبير باسم الفاعل، وهو على كل شيء قدير.
* * *
العاقبة للمتقين
(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)
* * *
الزبور هو كتاب داود عليه السلام، كما قال تعالى: (... وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا)، والذكر: قالوا: هو التوراة؛ لأنها ذكر للشرائع وبيان لها، نسخ منها ما نسخ بالقرآن، وما بقي استمر محكما وإن كان القرآن حجتها، ولا دليل على صادقها سواه، ولو كان موسى بن عمران. حيا ما وسعه إلا اتباع محمد - ﷺ -، وذكر الزبور وقد قام داود بتنفيذ ما في التوراة للإشارة إلى أن كتب الله المنزلة
تواردت على هذا المعنى وتعاونت على آدابه، وهو (أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) أي أن الأرض كلها بقاصيها ودانيها لله، وأنها ليست لملك طاغ، ولا لزعيم. مفسد ولا لرئيس يقود الناس إلى مراتع الفساد ومواطن التهلكة، إنما هي لله (يَرِثُهَا عبَادِيَ الصَّالِحُونَ) أي يعطيها مالك الملك لعباده الصالحين، وعبر بقوله (يَرِثهَا) للإشارة إلى أن الصالحين يخلفون من كانوا عليها من فاسدين ظالمين عتاة، وذلك كقوله تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا...)، وإن العاقبة تكون دائما للمتقين. وهنا التفات من الغائب إلى العودة إلى ضمير المتكلم، وهو الله جل جلاله، فالكلام بلغة المتكلم في قوله تعالى:
صفحة رقم 4927زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة