ﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺ

لا تخيفهم أهوال القيامة، بعد قيامهم من قبورهم للحساب، إلى أن يصلوا إلى الجنة، وتستقبلهم الملائكة بالسلام عليهم، والتبشير لهم، قائلين لهم: هذا يومكم الذي وعدتم فيه الثواب والنعيم، إنه يوم المسرة الأكبر، ويوم الثواب والفرحة الأعظم، ويوم الحسنى، والحسنى: الرحمة وحتمية التفضيل.
ألا ما أعظم الفرق الشاسع بين مصير هؤلاء السعداء، فهم المخلّدون في النعيم، المتمتعون بأطيب وأحسن الأحوال، وأما أولئك الأشقياء فعلى العكس من ذلك تماما، إنهم مخلدون في الجحيم، وفي أسوأ الأحوال، وأتعس الأوصاف والأوضاع.
طي السماء وإرث الأرض
في يوم القيامة تتبدى عجائب، وتظهر أحوال خطيرة، تنبئ عن عظمة القدرة الإلهية، وتذهل منها العقول والأفكار، من هذه العجائب تبدّد السماوات وطيّها كطي سجل الكتاب، وتغيّر الأرض تغيرا غير منتظر، وسرعة الحساب، وتقرير مصير الخلائق على نحو غريب، وسوق الناس إلى مصائرهم سوقا سريعا، إما إلى جنة عرضها السماوات والأرض، وإما إلى نار محرقة تتلظى بها الجلود، وتحترق بها الأكباد والقلوب، وهذا ما أخبرت عنه الآيات الآتية:
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٦]
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الأنبياء: ٢١/ ١٠٤- ١٠٦].

(١) الصحيفة.
(٢) على ما كتب فيها.
(٣) الكتب المنزّلة.
(٤) اللوح المحفوظ.
(٥) كفاية.

صفحة رقم 1618

إن الملائكة الكرام تستقبل وفود أهل الإيمان، وتتلقاهم مبشرين مهللين، يوم يطوي الله تعالى السماء، بواسطة ملك كما يطوى السجل، أي الصحيفة المخصصة للكتابة، وهذا الطي كائن حتما، يوم يعيد الله الخلائق بالبعث خلقا جديدا، كما بدأهم في أول مرة، والله وحده هو القادر على إعادتهم، إنه وعد لا يتخلف، والله قادر على فعل ذلك الطي بيسر وسهولة، كما جاء في آية أخرى:
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) [الزمر: ٣٩/ ٦٧].
أما تبدل السماوات والأرض، فجاء الخبر عنه في قوله سبحانه: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) [إبراهيم: ١٤/ ٤٨].
وقوله سبحانه: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ يحتمل معنيين كما ذكر ابن عطية في تفسيره:
أحدهما: أن يكون خبرا عن البعث، أي كما اخترعنا الخلق أولا على غير مثال، كذلك ننشئهم تارة أخرى، فنبعثهم من القبور.
والثاني: أن يكون خبرا عن أن كل شخص يبعث يوم القيامة على هيئته التي خرج بها إلى الدنيا.
ثم أخبر الله تعالى عما قضاه وقدره لعباده الصالحين من سعادة الدنيا والآخرة ووراثة الأرض، فذكر سبحانه أنه قضى قضاء محتما في كتاب الزبور، بعد التوراة أو القرآن: أن وراثة الأرض في الدنيا والآخرة لا تكون على الدوام والاستقرار إلا لعباد الله الصالحين وهم المؤمنون العاملون بطاعة الله تعالى. والذكر: إما التوراة كما قالت فرقة، أو القرآن وهو قول ابن عباس، أو اللوح المحفوظ، والزبور: إما ما

صفحة رقم 1619

أنزله الله على داود عليه السلام، أو أنه اسم يعم جميع الكتب المنزلة، لأنه مأخوذ من «زبرت الكتاب» : إذا كتبته.
والأرض: إما أرض الجنة بقول فرقة، لقوله تعالى: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزّمر: ٣٩/ ٧٤]. وإما أرض الدنيا في قوله فرقة أخرى، أي كل ما يناله المؤمنون من الأرض، لقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [النور: ٢٤/ ٥٥].
إن في هذا المذكور في سورة الأنبياء أو في القرآن بجملته، من الأخبار والوعد والوعيد، والمواعظ المؤثرة، لإبلاغا كافيا ومنفعة تامة لقوم عابدين: وهم الذين عبدوا الله بما شرعه وأحبّه ورضيه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان وشهوات الأنفس.
والعبادة التي يتصف بها العابدون تتضمن الإيمان بالله تعالى، واجتماع أوصاف العبادة التامة من الإيمان، وطاعة الله والخشوع له، مؤهلة أصحابها للتمكن في الأرض في الدنيا، والظفر بالجنة في الآخرة.
النبي صلّى الله عليه وسلّم رحمة للعالمين
ختمت سورة الأنبياء بعد إيراد سيرتهم وقصصهم ببيان الغاية السامية من بعثة خاتم النبيين محمد صلوات الله وسلامه عليه، والتي هي في جوهرها أنه رحمة للعالمين في الدين والدنيا والآخرة، أما في الدين فبإنقاذهم من الجاهلية والضلالة إلى العلم والنور والهداية، وأما في الدنيا فهو لتحقيق العزة والنصر، والتخلّص من الذّلة والمهانة، فإن آمن الناس برسالة النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم سعدوا وصعدوا وارتقوا، وإن أعرضوا وتنكروا، فما على هذا الرسول إلا البلاغ المبين، قال الله تعالى واصفا خاصية رسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم:

صفحة رقم 1620

التفسير الوسيط

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر - دمشق
سنة النشر 1422
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية